يُعد ملف ترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت من أكثر القضايا حساسية في السياسة العراقية المعاصرة ، لأنه لا يرتبط فقط بالجغرافيا ، بل يمتد إلى السيادة والاقتصاد والأمن القومي .
وعندما تُقدَّم وثائق الترسيم إلى الأمم المتحدة ويتم تثبيتها قانونياً، فإن ذلك يعني انتقال الملف من مستوى الخلافات السياسية إلى إطار الشرعية الدولية الملزمة ، وهو تحول استراتيجي له تبعات طويلة المدى .
الترسيم البحري بحد ذاته يهدف إلى تحديد الحقوق السيادية في المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية ، بما يشمل الملاحة ، الصيد ، واستثمار الموارد الطبيعية .
بالنسبة للعراق ، فإن أهمية الترسيم تكمن في حماية منفذه البحري القصير أصلاً ، ومنع أي نزاعات مستقبلية قد تعيق التجارة أو الاستثمار ، خصوصاً مع مشاريع استراتيجية مثل ميناء الفاو الكبير الذي يُعوَّل عليه ليكون بوابة اقتصادية إقليمية .
لكن السؤال الجوهري: هل الترسيم أهم من خور عبد الله ؟
لفهم الإجابة ايها القارئ ، يجب توضيح الفرق .
خور عبد الله هو ممر مائي محدد جغرافياً يقع بين البلدين ، وهو موضوع اتفاقيات ثنائية وتنظيمات دولية سابقة ، أبرزها قرارات مجلس الأمن الدولي بعد عام 1991 بينما الترسيم البحري أشمل بكثير ، لأنه يحدد الحدود الكاملة في البحر وليس فقط ممراً ملاحيّاً واحداً مثل خور عبد الله .
من منظور الأمن القومي العراقي ، يمكن القول إن الملفين مترابطان لا متنافسان .
خور عبد الله يمثل الشريان الملاحي الفعلي للسفن العراقية ، أي أنه مسألة تشغيلية يومية تتعلق بحرية الوصول إلى الموانئ . أما الترسيم البحري فهو الإطار القانوني الاستراتيجي الذي يضمن استمرار هذه الحرية مستقبلاً ويمنع النزاعات .
بمعنى آخر: خور عبد الله هو “الواقع الميداني” بينما الترسيم هو “الضمان القانوني” .
مع ذلك يرى كثير من الخبراء أن الترسيم قد يكون أخطر وأهم على المدى الطويل ، لأن تثبيته دولياً يجعل أي تعديل لاحق شبه مستحيل دون موافقة الطرفين ، وهو ما يرفع مستوى المسؤولية السياسية عند اتخاذ القرار .
في المقابل تبقى إدارة الممرات الملاحية قابلة للتفاوض الفني والتشغيلي بمرور الوقت .
الخلاصة أن أهمية الترسيم لا تلغي مركزية خور عبد الله للعراق ، لأن المنفذ البحري المحدود للبلاد يجعله قضية سيادية بامتياز .
لكن الترسيم يمثل السقف القانوني الذي يحمي هذا المنفذ .
لذلك يمكن اعتبار الاثنين معاً جزءاً من منظومة الأمن القومي البحري: الأول يحمي الحقوق على الورق ، والثاني يحمي الوصول على الماء .
والنجاح الحقيقي للعراق يكمن في تحقيق توازن يحفظ السيادة ويؤمن المستقبل الاقتصادي دون خسارة أي من عناصر القوة البحرية المتاحة .
ولتحقيق هذا التوازن، يحتاج العراق إلى إدارة الملف بعقلية استراتيجية هادئة بعيدة عن الانفعال السياسي ، مع الاعتماد على الخبراء القانونيين والبحريين لضمان عدم التفريط بأي حق سيادي .
فالقضية ليست صراعاً آنياً بقدر ما هي رسم لمستقبل أجيال قادمة ، خاصة أن الموقع البحري للعراق محدود مقارنة بدول الجوار .
إن تعزيز القدرات المينائية ، وتطوير الأسطول البحري ، والاستثمار في البنية التحتية الساحلية ، كلها عناصر تكمل الترسيم القانوني وتحوله من نصوص على الورق إلى قوة فعلية على الأرض والماء .
عندها فقط يمكن القول إن السيادة محفوظة ، والقرار الوطني متوازن ، والمصلحة العراقية مؤمنة دون خسائر استراتيجية .
https://telegram.me/buratha

