دراسات

الإصلاح العراقي بعين عوراء


 

د. علي المؤمن

 

    الشيعة والكرد والسنة شركاء في الوطن والنظام السياسي والحكومة، ولا يتشكل البرلمان و الحكومة ومجلس القضاء إلا بتشاركهم، ولا يتم تشريع قانون إلا بموافقتهم جميعاً، ولا يتم تخصيص موازنة إلا برضاهم معاَ.

    هذا هو مقتضى الديمقراطية التوافقية، أحببناها أو كرهناها.

  تبلغ النسبة التقريبية للمكونات العراقية في مناصب الدولة، من مدير عام وحتى رئيس الجمهورية على النحو التالي:

-  ٥٠ % للشيعة

-  ٢٥ % للسنة العرب

-  ٢٠ % للسنة الكرد

-  5  % للأقليات.

    وتبعاَ لذلك فإن نسبة الفساد والفشل في الدولة تتوزع على الأحزاب الشيعية والسنية والكردية كل حسب نسبته في الدولة، فتتحمل الأحزاب الشيعية ٥٠ %  و السنية ٢٥%  و الكردية ٢٠%  من نسبة الفساد والفشل في الدولة.

    وتبعاَ لذلك أيضاَ، فإن أية عملية جماهيرية للتغيير، والقضاء على الفساد والفشل، ومحاكمة حيتان السرقات، و إقامة نظام سياسي عادل، وحكومة شريفة قوية أمينة كفوءة؛ ينبغي أن تشارك فيها المكونات الثلاثة.

    وإن أي تغيير في النظام السياسي وفي الدستور وفي قانون الأحزاب وفي قانون الإنتخابات وفي قانون النفط والغاز وفي قانون الموازنة، وفي نسب المحاصصة المكوناتية، لايتم إلا بموافقة كتل المكونات الثلاثة معاً.

    فلا يمكن - مثلاَ- أن يكون الوزراء والنواب والقضاة والوكلاء والمدراء الشيعة أقوياء وأمناء وأكفاء وشرفاء ومستقلون، بينما المسؤولون السنة والكرد ضعفاء فاسدون عملاء حزبيون. والعكس صحيح.

  لنأتِ الى الجانب العملي، بعيداَ عن الشعارات والانفعالات والإتهامات المعلبة، و عن ضوضاء وسائل التواصل الإجتماعي.

   أمامنا السلوك الجمعي للتظاهرات الحالية ومطاليبها، وأغلبها واقعية ومحقة، لكنها غير جامعة، أي أنها عملياَ تقتصر على التغيير في إطار مكون واحد، وتستهدف عملياَ أحزاب مكون واحد، و تعمل على تطهير مؤسسات الدولة من الفاسدين المنتمين الى مكون واحد.

والحال، أن هذا الهدف الأحادي لن يحقق بتاتاَ أي تغيير في واقع الدولة ومؤسساتها؛ لأن المسؤولين الشيعة يسيطرون فقط على نصف مفاصل الدولة.فلو تم استبدال جميع المسؤولين الشيعة الفاسدين الفاشلين بآخرين نزيهين أكفاء، فهذا يعني أن النصف الجيد الجديد سيتشارك مع النصف السيء القديم في إدارة مؤسسة واحدة. علماً أن النصف الكردي السني لا يستطيع رئيس الوزراء الشيعي أو الاحزاب الشيعية استبداله، بل تستبدله أحزابهم الكردية والسنية فقط، لأن هذه النصف من المناصب حصة أحزاب السنة والكرد حصراً، وهي التي ترشح من يشغلها، ولايمكن للشيعة وضع من يرونه مناسباً فيها.

   صحيح أن التظاهرات المطلبية السلمية ترفع شعارات وطنية وتنادي بالتغيير على مستوى الدولة برمتها، وليس لها أهدافاَ طائفية. وهذه حقيقة لا غبار عليها. لكن شئنا أم أبينا فإن هذه التظاهرات تحصل داخل المكون الشيعي، وضد الأحزاب الشيعية حصراً، وليس لها دالة أو سلطة أو تأثير على الشريكين السني والكردي.

فلتفترض أن التظاهرات المطلبية الحالية لأهل الوسط والجنوب، ستقضي على الفاسدين من الأحزاب الشيعية، وتمهد لتشكيل حكومة جديدة من الأكفاء النزيهين غير الحزبيين وغير المنتمين للكتل السياسية، فهل هذا ممكن في ظل اشتراك الفاسدين أنفسهم من الأحزاب الكردية والسنية في الحكومة الجديدة؟

    ذلك أن المجتمع السني والمجتمع الكردي الشريكين في الوطن، لم يتحركا جماهيرياَ ضد أحزابهم وسياسييهم، ولم يطالبا بتغييرهم، ما يعني قناعة الشركاء الكرد والسنة ببقاء سياسييهم أنفسهم في الدولة والحكومة العراقية القادمة.

    بل أن إعلام الشركاء يحرض، بأساليب ذكية حرفية غير مباشرة، على ( الثورة) في بغداد والمحافظات التسعة، وعلى محاكمة السياسيين الشيعة والقضاء على الأحزاب الشيعية والحشد وفصائله، دون أن يتطرق مطلقاَ الى ضرورة الحراك والتغيير والثورة في المحافظات الستة الكردية والسنية. وهو خطاب وسلوك طائفي عنصري، لا يلتقي بالأهداف الوطنية للتظاهرات، لكنه يؤثر فيها.

   إن إشكالية الحراك الوطني الشيعي الحالي، تكمن في كونه حراكاً منفرداً، و يهدف الى التغيير والبناء الجديد للدولة والحكومة بمفرده، ويستهدف عملياً الأحزاب الشيعية والسياسيين الشيعة والفساد في المكون الشيعي حصراً، إذ لا يمكن لهذا الحراك منع الأحزاب الكردية والسنية الحالية برموزها وسياسييها ومرشحيها أنفسهم، من المشاركة في النظام والحكومة الجديدة القادمة، وهم يحتلون 50% من مناصب الدولة العراقية، من مدير عام وحتى رئيس الجمهورية.

   ولنكن واقعيين أكثر ..

    إذا استطاعت التظاهرات الحالية في محافظات الوسط والجنوب، تشكيل حكومة جديدة، وإبعاد الأحزاب الشيعية المشارِكة في الحكم: "الدعوة" و"المجلس الأعلى" و"التيار الصدري" و"الحكمة" و"بدر" و فصائل المقاومة والحشد، إلّا أن قيادة التظاهرات ستكون مجبرة حتماً إلى إشراك الأحزاب الكردية والسنية نفسها: الحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغييرالكردية والحزب الإسلامي و حزب النجيفي وحزب علاوي وحزب الكربولي وحزب أحمد الجبوري وحزب الحلبوسي وحزب المطلق وحزب خميس الخنجر.

    كما ستُجبر قيادة التظاهرات أيضاً على أن يكون رئيس الجمهورية عضواَ في أحد الحزبين الكرديين الرئيسين، و أن يكون رئيس البرلمان عضواَ في أحد الأحزاب السنية الرئيسة.

    وسبب هذا الإجبار هو أن الدولة لن تقوم، والنظام لن يأتلف، والحكومة لن تتشكل ألّا بوجود الأحزاب الكردية والسنية الحالية نفسها، بقياداتها ومسؤوليها ومرشحيها أنفسهم. ومن يقول ذلك، فعليه أن يعي جيداً حقيقة الخارطة السياسية العراقية وحقيقة الشراكة الوطنية من جهة، وموقع هذه الاحزاب (الكردية والسنية) في الواقع السياسي الإجتماعي للمكونين الكردي والسني، على اعتبار أن هذه الاحزاب هي ـ حتى الآن ـ خيارات جماهير الكرد والسنة، وهذا حقهم الديمقراطي، ولا سلطة لأبناء محافظات الوسط والجنوب على جماهير محافظات الغربية ومحافظات الشمال؛ لكي يفرضوا عليهم نائباَ أو وزيراَ أو مديراَ كردياً أو سنياً في المؤسسات الإتحادية.

   وقبول قيادة التظاهرات الحالية بخيارات الأحزاب الكردية والسنية نفسها في التشكيلة الحكومية القادمة، وفي مؤسسات الدولة، يعني أن هدف التظاهرات ليس شاملاَ جامعاَ لكل الوطن، بل هدفه القضاء على الأحزاب الشيعية فقط، وليس كل الأحزاب العراقية، وأن المطلوب هو رأس السياسيين الشيعة وأحزابهم وفصائلهم فقط. أما السياسيين السنة والكرد فلا مشكلة في بقائهم.. كما هم، وكأنّ الاحزاب الكردية والسنية ليس شريكاّ أساسياً في النظام السياسي والحكومة منذ 2003 وحتى الآن، بنسبة النصف للكرد والسنة، والنصف للشيعة تقريباَ، وكأنّها لا تتحمل بنفس النسبة مسؤولية الفساد والفشل في الدولة والحكومة.

   أما إذا كانت قيادة التظاهرات تستهدف كل الفاسدين والفاشلين في كل الأحزاب العراقية، وإصلاح كل النظام السياسي ومؤسساته، فما هي الآلية والإجراءات التي استخدمتها منذ اليوم الأول للتظاهرات، وستستخدمها في المستقبل حيال الإصلاح على صعيد الأحزاب الكردية والسنية المشاركة في الحكم؟ وكذا الحلفاء الخارجيين الداعمين لها، كأمريكا والسعودية وقطر والأردن وتركيا؟

    فالأليات التي طبّقتها قيادة التظاهرات ضد الأحزاب الشيعية وممثليها في الحكومة واضحة ومكررة، كالشعارات واللافتات والبيانات التي تذكر أسماء هذه الأحزاب ومممثليهم، والمطالبة بحلها، ومحاسبة قادتها ومسؤوليها، والإعتراض على علاقاتها مع الحليف الخارجي (إيران)، وشتم هذا الحليف، وحرق ومهاجمة المكاتب والمؤسسات التابعة لهذه الاحزاب، وغيرها من الإجراءات المعروفة.

بل، الأكثر من ذلك، أن قيادة التظاهرات ستفشل قطعاً في إقناع الأحزاب الكردية والسنية بالتعديلات الدستورية و بإصلاح النظم والقوانين والتشريعات التي يجب تمريرها وتطبيقها، كمقدمة للتغيير، لأن للمكونين الكردي والسني مطاليبهما الخاصة واستحقاقاتهما المناطقية والقومية والطائفية. وبمراجعة سريعة لتصريحات السيد مسعود بارزاني ونيجرفان بارزاني وقادة الإتحاد الوطني الكردستاني والسيد أسامة النجيفي وقادة الحزب الإسلامي وغيرهم، سنفهم بسهولة، أن الاحزاب الكردية والسنية تعتبر أن التظاهرات الحالية هي مشكلة شيعية ـ شيعية لا شأن لهم بها، وأن ما يعنيهم فقط هو الحفاظ على مصالح أحزابهم وحصصهم في السلطة والثروة.

   وبالتالي، لا إمكانية مطلقاَ في الإصلاح والتغيير في العراق، دون الإصلاح والتغيير في إطار الاحزاب السنية والكردية الأساسية الشريكة، و إلا ستبقى الأوضاع كما هي، حتى وإن جئنا بمسؤولين شيعة من جنس الملائكة. وحينها لن تمثل الحكومة القادمة إرادة الحراك الحالي، ولن تكون هذه الحكومة حكومة وطنيين مستقلين أكفاء.

    وعليه، ينبغي أن تشمل المطالبات الشعبية كل الطبقة السياسية من كل ألوان الطيف العراقي، بصورة عملية، وليس بالشعارت فقط، ، بعيداَ عن التمييز الطائفي والقومي، لأن الجميع أبناء هذا الوطن، ويتحملون مسؤولية متكافئة تجاهه.

ــــــــــــــــــــ

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1408.45
الجنيه المصري 74.74
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1694.92
دينار كويتي 3846.15
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 328.95
ريال سعودي 319.49
ليرة سورية 2.34
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.78
التعليقات
زيد مغير : نفهم من هذا الموضوع أن هناك نية لتبرية المجرم الذي باع الموصل اثيل النجيفي . العيساوي امس ...
الموضوع :
الداخلية: إطلاق سراح مهدي الغراوي بكفالة والقضية ستتابع من قبل المحاكم المدنية
عبد الله : مع الاسف يا شيخ حينما قرأت بداية المقال لفت نظري جراتك على قول كلمة الحق بوجه المرأة ...
الموضوع :
دور المراة في تزييف الحجاب الشرعي
المهدي : المقال جميل سلم يراعي أيها الفاضل حتى الحيوان يعلمنا الحكمة نأخذ منه العبرة ...
الموضوع :
البقرة العطشى  
Nacem : الموضوع وعن علاقة الثورة الاسلامية في ايران مما اثار المجرم فأمر جلاوزته بتعذيب السيد الشهيد تعذيباً قاسياً ...
الموضوع :
من هي  الشهيدة آمنة الصدر بنت الهدى؟!
أمير الخياط : الحمد لله الذي اكحل عيوننا بالنظر إلى إعدام الطاغية اللعين صدام وأعوانه ...
الموضوع :
حقيقة رسالة آية الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر إلی صدام!
هادي محمد حسبن : يبدو من المقطع والتوضيح الرسمي عدة أمور.. منها. من يسمح له بدخول السيارات إلى المدرج وقرب الطائرة.. ...
الموضوع :
توضيح رسمي لتأخر إقلاع طائرة عراقية ساعتين "بسبب عائلة مسؤول"
مازن : معالي لوزير التعليم العالي والبحث العلمي المحترم ملحوظة جنابك الكريم يعلم بان القوانين والانظمة الادارية الخاصة بالجان ...
الموضوع :
هيئة النزاهة تضع الخط الساخن للكشف عن حالات الفساد الاداري والمالي وشكاوى المواطنين
زيد مغير : سألوا المرحوم المقدم ق خ وفي العميدي الذي اعدمه المجرم عدنان خير الله بأمر من الجبان صدام ...
الموضوع :
لمن لا يعرف سلطان هاشم.. وبط.. ولاته  
أبو علي : االشهيدان قاسم سليماني وابو مهدي المهندس قتلا بواسطة طائرة مسيرة إنطلقت من القاعدة الأمريكية في قطر وبعد ...
الموضوع :
ايران: الانتقام المؤلم للشهيد قاسم سليماني ورفاقه لم ينته بعد
عدي محسن الجبوري : ان حالات الاصابة كبيرة الا انه لا توجد مصداقية تامة وشامله في هذا الوباء فسابقا كانت حالات ...
الموضوع :
الصحة: تسجيل 1927 حالة شفاء ووفاة 96 مصاباً واصابة 2553 خلال الـ24 ساعة الماضية
فيسبوك