الشعر

الحسين في الشعر ... وانساق استدعائه الثقافية 

1178 2020-08-20

  د. حسين القاصد ||

شكلت قضية الطف بشكل عام وحادثة استشهاد الحسين على وجه الخصوص ملمحاً طاغياً على الشعرية العربية، ولقد هيمنت قضية الحسين على المسرح الشعري بشكل جعل أغلب ماكتب في هذا المسرح هو من وحي قضية الحسين، فكانت المسرحيات الشعرية من مثل: هكذا تكلم الحسين، ومسرحيات محمد علي الخفاجي التي أهمها "ثانية يجيء الحسين" وكذلك مسرحية "الحر الرياحي" لعبد الرزاق عبد الواحد التي تعد واحدة من أفضل ماكتب في المسرح الشعري بل أفضل ماكتب في المسرح الذي تناول قضية الطف والحسين .  واذا وقفنا عند عبارة بين نسقين سيظهر جليا أمامنا نسق الاستدعاء في "ثانية يجيء الحسين" لمحمد علي الخفاجي حيث استدعى من الطف ثلاثة أشخاص فقط هم الحسين والشمر ومحمد بن الحنفية، وحملهم جميعا الى معترك اليمين واليسار في سبعينيات القرن الماضي. فجاء بشخص يعرج على اليمين، ثم صار يعرج على اليسار، ثم صار يعرج على كلتا الجهتين، وهو نسق أجاده الخفاجي ليرمي بأسلحة الماضي حاضراً مرتبكاً .  اما اذا وقفنا عند مسرحية "الحر الرياحي" ، فقد يكون للاسقاطات النفسية التي ظهرت من الشاعر على النص الدور الأكبر في تميزها وجعلها هي الأفضل، فعبد الرزاق عبد الواحد بذكاء مفرط لم يجعل الحسين بطلاً لمسرحية تتعنى بالحسين والطف، وهي التفاتة ذكية فنياً ونفسياً وموضوعياً، اما فنياً فإن المسرح يعتمد الصراع والحسين شخصية صافية لاصراع فيها ولم تتلاقفه نوازع صراعات مختلفة، فهو خير محض . وكان بامكان عبد الرزاق عبد الواحد ولوازع نفسي في داخله أن يأخذ الشمر بطلاً للمسرحية، حتى لو كان بطلاً سلبياً مذموماً، لكنه ابتعد عن الحرج والنقد اللاذع، وابتعد عن الوقوع في مواجهة المقدس، فضلاً عن ان الشمر شخصية تمثل الشر ، الشر المحض ، ولا صراع فيها ، اما نفسياً فعبد الرزاق يبحث عن عزاء لنفسه ، عن جهة أخرى يعبر إليها، فهو بطل المسرحية بكل تفاصيلها، لأنه يريد ان يتخلص من هيمنة سلوك الشر والعبور الى ضفة الحر الرياحي، ذلك لأن الحر شخصيتان، فهو شمر قبل التحول، وهو الحر الجديد المولود في الطف بعد التحول .  وبين الشعر والمسرح خاض عبد الرزاق صراعاته الداخلية بين الشمر والحر في داخله، لكنه انتصر للحر فقط، ومات شمرا كما هو معروف . ولقد اقترب عبد الرزاق عبد الواحد من معتركه النفسي الذي اسقطه على معترك الطف ، فعاش مع الحر قصة حب تمثل ضربا من الحلم فهو يقول :  سلام على الحر فـي ساحتيـك ومقحمـه ، جـل مـن مقحـم سـلام عليـه بحجـم العـذاب وحـجـم تمـزقـه الأشـهـم سـلام عليـه .. وعتـب عليـه عتـب الشغـوف بـه المغـرم فكيف ، وفي ألف سيف لجمت وعمـرك يـا حـر لـم تلجـم وأحجمت كيف؟ وفي ألف سيف ولو كنـت وحـدي لـم احجـم ولم أنتظرهـم إلـى أن تـدور عليـك دوائرهـم يــا دمــي لكنت أنتزعت حـدود العـراق ولو أن أرسانهـم فـي فمـي! لغيـرت تأريـخ هـذا التـراب فمـا نـال منـه بنـو ملجـم!  انها ليست قصة حب بل نشيد تعويض، (عتـب الشغـوف بـه المغـرم) لكنه يكذب متسلحاً بالتمني كي يغطي النقص الذي ينهشه من جميع جهاته ، اذ يقول : وأحجمت كيف؟ وفي ألف سيف ولو كنـت وحـدي لـم احجـم ولم أنتظرهـم إلـى أن تـدور عليـك دوائرهـم يــا دمــي ان هذا المقطع من قصيدة "في رحاب الحسين" بكل مافيه من عتب من الشاعر على نفسه لا على الحر، لأنه اسقط طموحه على رمزية الحر وتمنى ان يكون حراً ولو مؤقتاً في الأقل للوقت المحدد للمسرحية، او هذا المقطع الشعري؛ حتى حمل الشاعر كل ملامح شخصيته هو لا شخصية الحر الى المسرح ليدخل "يحيى المعمدان" بطلاً من أبطال المسرحية وهو الذي لامكان له في هذه المسرحية لولا معتقد الشاعر؛ ولعلنا نلمس عذاباً حقيقياً يسقطه الشاعر على شخصية الشمر، لأنه مكبل "بشمريته" لايستطيع التحول الى " حريته" ، وهو عبد الرزاق نفسه بين الشمر (الواقع) والحر (الحلم) الذي يبدو بعيد المنال، وظل كذلك الى ان مات الشاعر وبقيت مسرحيته نصاً مميزاً ، يدلل على ان الشعر بوح وجداني حقيقي، وضرب من التعويض وسد النقص .  اما شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري فقد وقع في فخ عظيم أو مارس نسق الاستغفال، وكتب قصيدة غايتها التقرب من ياسين الهاشمي الذي منع الشعائر الحسينية فاستاء الناس، لكن الجواهري سوّغ له ذلك، معللا ان يزيد نفسه حاول منع قتل الحسين لكن المسافة حالت بينه وبين انقاذه ، وهي انتكاسة عظيمة في شعر الجواهري، إذ نجد الجواهري يلوي عنق المعنى حين يستذكر الحسين متناغما مع وعد سابق من الهاشمي بمنصب للشاعر، ولا اغرب من قول الجواهري في قصيدته عاشوراء وهي القصيدة التي اراد الجواهري ان يتعرض بها للهاشمي تعرض الآمل لا تعرض الآيس، لذلك حاول تسويغ سلوك الهاشمي ضد الشيعة ، وهو شيء من المصلحة الشخصية التي جعلت طموحات الشعب سلّما للشاعر باتجاه السلطة . يقول الدكتور محمد حسين الاعرجي في كتابه الجواهري دراسة ووثائق: (وإذاً أن يرثي الجواهريُّ ـ لأوّل مرّة في حياته ـ الإمامَ الحسين في قصيدةٍ أمرٌ له معنيان هما: الأمر الذي ذكرتُه، وقد أشار إليه الشاعر من طرفٍ خفيّ بتقريره أنّ يزيد بن معاوية نفسَه قد تأثّر بمقتل الحسين، وأنّه لولا بُعد المسافة بين الشام وكربلاء لكان رَسَم ليوم الطفِّ نهايةً أخرى: على أنّه بالرّغم من سقطـاتِه  وقد جـاءهُ نعــيُ الحُسين تَأثّرا فما كان إلاّ مثلَ قاطعِ كـفِّه  بأُخرى، ولمّا ثابَ رُشدٌ تَحسّــرا وأحسبُ لولا أنَّ بُعدَ مسـافةٍ  زوتْ عنه ما لاقى الحسينُ وما جرى ولولا ذُحولٌ قُدِّمتْ في معاشرٍ  تقاضَوْا بها في الطفِّ دَيْناً تأخّــرا لزُحزِح يومُ الطفِّ عن مُستقَرِّه  وغُيِّرَ من تاريخـــــه فتطوّرا  ومعنى قوله أنّه إذا كان موقف يزيدَ نفسِه كذلك فما معنى أن يكون الهاشميُّ في موقفه من إحياء ذكرى الإمام الحسين، والتفجع عليه أكثر تشدّداً من يزيد؟) ومن الأبيات الواضحة ومن كلام العلامة د. محمد حسين الاعرجي، نجد الجواهري يبريء يزيد ويجد له عذرا لكي يقنع الناس بعذر يسوغ لياسين الهاشمي فعلته !!.  نعم ، هو ذا الجواهري حين يكون مرتبطا بالسلطة لكنه حين يغضب فإنه يجعل من شعره زلازل تهز عروش الطغاة ، لذلك كانت قصيدة "آمنت بالحسين" التي خُط بعض من ابياتها بماء الذهب على ضريح الحسين العظيم ، كانت هذه القصيدة بيانا للموقف الحر غير المسلوب بنسق مضمر أو حيلة ثقافية ، فكانت نشيدا هادرا، وقصيدة ثورية ، محتشدة بالحماس، واذا خرجنا من النقد الثقافي ووقفنا وقفة اسلوبية عند بيت واحد من عينية الجواهري، نجد إضافة أسلوبية هي الأروع والأجمل ، فهو يقول :  ويا واصِلاً مِن نشيدِ " الخُلود", خِتامَ القصيدةِ بالمطلع.  يَسيرُ الورى بركاب الزمانِ, مِن مستقيمٍ ومن اظلع. وأنتَ تُسيِّرُ ركْبَ الخلود, ما تستَجِدّ له يَتْبَع. وأغلب قراء هذه القصيدة يصفقون لمعنى ساذج هو (ان القصيدة تنتهي بالمطلع) لكن ابداع الجواهري في إعمال اسم الفاعل (واصلا) لينصب (ختامَ) ليكون المعنى ان الحسين وصل ختام القصيدة والجواهري مازال في المطلع !! لنعد صياغة البيت بعد حذف ( من نشيد الخلود ) :  أيا واصلا ختامَ القصيدة بالمطلع، يامن وصلت ختام القصيدة بالمطلع، ماعساني أقول؟ ذلك هو الجواهري في عينيته؛ أما أنا فقد وصلت ختام المقال المحدد بعدد الكلمات المتفق عليها، عسى أن يمتد إلى بحث يليق بهذا الموضوع في المستقبل القريب 
اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1538.46
الجنيه المصري 79.81
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.96
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 0.58
دولار امريكي 1449.28
ريال يمني 5.83
التعليقات
اه : احسنت في وصف السيد السيستاني نعمة من اكبر النعم واخفاها !!!!! انه حسن العصر فالعدو متربص به ...
الموضوع :
شكر النعمة أمان من حلول النقمة
ازهار قاسم هاشم : السلام عليكم : لدي اعتراض بعدم شمولي بقانون خزينة الشهداء بابل علما انني قدمت الطلب كوني اخت ...
الموضوع :
مجلس الوزراء : موقع الكتروني لإستقبال الشكاوى وتقديم التعيينات
ali alsadoon : احسنت استاذ . كلام دقيق وواسع المضمون رغم انه موجز .يجب العمل بهذه التوصيات وشكل فوري . ...
الموضوع :
خطوات للقضاء على التصحر وخزن المياه الوطنية 
رأي : لا اتفق فلم تثمر الفرص الا لمزيد من التسويف وعلى العكس نأمل بارجاع الانسيابية وعدم قبول الطلبة ...
الموضوع :
مقترحات الى وزير التربية ..
رسول حسن : احسنت بارك الله فيك. سمعت الرواية التالية من احد فضلاء الحوزة العلمية في النجف الاشرف : سأل ...
الموضوع :
يسأل البعض..!
رأي : الله يلعنهم دنيا واخرة والله يحفظ السيد من شرار الخلق اللي ممكن يستغلوهم اليهود ...
الموضوع :
بالفيديو .. تامر اليهود على الامام المفدى السيد السيستاني
Riad : تخرجة من كلية الهندسة وتعينت بعد معاناة دامت ٨ سنوات وجمعت مدخراتي ومساعدة الاهل وتزوجت ورزقني الله ...
الموضوع :
النظر في قانون الاحوال المدنية وكثرة الطلاق في العراق
حسن عطوان عباس الزيدي : رحم الله الشيخ الصدوق الصادق اسميه الصادق لانه عاش فتره متسلسة بعد استشهاد الامام الحسن العسكري والامام ...
الموضوع :
الشيخ الصدوق حياته وسيرته / الشيخ الصدوق رجل العلم والفضل والاجتهاد
رسول حسن : اولا منصب رئيس الجمهورية ليس من حقكم بل التنازلات جرأتكم على الاستحواذ عليه ثانيا انتم متجاهرون بالانفصال ...
الموضوع :
مهزلة المهازل ..... حزب البارزاني: طلبنا “عطوة” من المحكمة الاتحادية بشأن نفط كردستان!
yous abdullah : ما استغرب كل هذا منهم هم عباد السلاطين والظالمين لكن يوم القيامة قادم وعند الله تجتمع الخصوم ...
الموضوع :
بالوثائق الشيعة كفار يستحقون القتل: فتاوى الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن ابن جبرين !!
فيسبوك