في خضمّ التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط بعد فشل الضغوط العسكرية الأمريكية و"الإسرائيلية" في كسر إرادة الجمهورية الإسلامية، تتكشف ملامح مرحلة جديدة عنوانها الاعتراف الغربي المتدرج بحقائق القوة التي فرضتها طهران على الأرض.
وفي هذا السياق، يلفت الكاتب الروسي بافيل أنيسيموف في تقرير نشرته وكالة "ريا نوفستي" وترجمته "العهد نيوز"، إلى أن زيارة نائب وزير الخارجية النرويجي أندرياس كرافيك إلى إيران لم تكن مجرد تحرك دبلوماسي عابر، بل مؤشر سياسي عميق على إدراك العواصم الغربية، حتى داخل حلف الناتو، أن الجمهورية الإسلامية لم تعد دولة يمكن تطويقها أو إخضاعها بالقوة، بل طرفاً إقليمياً صاعداً يفرض شروطه في معادلات الأمن والطاقة والممرات البحرية. ويشير الكاتب إلى أن الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، رغم التصعيد العسكري والحصار والتهديد، لم ينجحا في إخضاع إيران، بل دفعا حتى حلفاءهما الأوروبيين إلى البحث عن قنوات تواصل مباشرة مع طهران خشية الانفجار الإقليمي الكبير وانهيار منظومة الطاقة العالمية.
يرى الكاتب أن زيارة نائب وزير الخارجية النرويجي أندرياس كرافيك إلى طهران برفقة وفد رسمي كشفت الاستراتيجية الخفية للسياسة النرويجية في الشرق الأوسط، والمتمثلة بالبقاء في الظل حتى اللحظة المناسبة للتدخل. ويشرح الكاتب أن لقاء كرافيك مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي جاء في إطار أول زيارة يقوم بها مسؤول غربي إلى إيران منذ اندلاع الحرب، وذلك بعد أن سبقت الزيارة تحركات دبلوماسية نرويجية في كل من باكستان وسلطنة عُمان لاستطلاع المواقف الإقليمية.
ويتابع الكاتب أن المفاوضات تناولت كامل الملفات الخلافية بين إيران والغرب، إلا أن محور النقاش الرئيسي تمثل في مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي كان يمر عبره نحو 20 بالمئة من صادرات النفط والغاز العالمية في الظروف الطبيعية. ويلفت الكاتب إلى أن المضيق مغلق فعلياً أمام الملاحة الدولية منذ شهر شباط، فيما بقيت نحو 25 سفينة نرويجية عالقة داخله، بينما طالبت إيران وسلطنة عُمان بفرض رسوم على المرور عبر هذه المياه.
ويشير الكاتب إلى أن النرويجيين يعتبرون أن الجمهورية الإسلامية لا تستطيع إدارة المضيق بطريقة تتعارض مع قواعد القانون البحري، موضحاً أن كرافيك ادعى أن الإيرانيين أبدوا تفهماً لهذا الطرح. كما يوضح الكاتب أن أوسلو أعلنت استعدادها للمساهمة في ثلاثة مسارات رئيسية تشمل تعزيز الجهود الدبلوماسية، وتقديم الاستشارات الأمنية البحرية، ودعم الحماية البيئية، مع تأكيدها أنها لا تسعى إلى لعب دور الوسيط الرسمي.
ويلاحظ الكاتب أن انطباعات كرافيك بعد الزيارة كانت متباينة، إذ أكد أن الطرفين يريدان التوصل إلى اتفاق من حيث المبدأ، إلا أن الرفض الحاد الذي أبداه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمقترح الإيراني الأخير ألحق ضرراً بالغاً بمسار التفاوض. كما ينقل الكاتب عن الدبلوماسي النرويجي قوله إن الإيرانيين يشعرون بخيبة أمل، غير أن استمرار الحوار عبر القناة الباكستانية ما يزال يمثل إشارة إيجابية.
ويلفت الكاتب إلى أن كرافيك خلص إلى نتيجة أساسية مفادها أن إيران لن تتراجع، موضحاً أن المسؤول النرويجي أكد أن الإيرانيين غير مستعدين لتقديم تنازلات بأي ثمن، وأنهم مستعدون للحرب إذا اختارت الولايات المتحدة العودة إلى الخيار العسكري.
ويشرح الكاتب أن التحرك النرويجي يبدو لافتاً لأن أوسلو التزمت الحذر والابتعاد خلال الحملات السابقة ضد إيران، مكتفية بمراقبة التطورات وانتقاد الخطابات التصعيدية دون الدخول في مفاوضات مباشرة. أما اليوم، وبعد وصول الأزمة إلى مرحلة حرجة، فقد تحركت النرويج بسرعة، فبدأت بإرسال دبلوماسييها إلى باكستان وسلطنة عُمان ودول الخليج قبل أن يصل كرافيك إلى طهران.
ويرى الكاتب أن هذا السلوك ينسجم مع التقليد الدبلوماسي النرويجي القائم على التدخل المتأخر، أي عندما تتعب الأطراف المتحاربة لكنها لا تكون جاهزة بعد للحوار المباشر. ويذكّر الكاتب بأن هذا الأسلوب استُخدم سابقاً خلال مفاوضات أوسلو السرية عام 1993 بين الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية بعد فشل الوساطة الأمريكية.
ويتابع الكاتب أن تفسير التحرك النرويجي لا يقتصر على الدبلوماسية وحدها، بل يرتبط أيضاً بعوامل داخلية. فمنذ بدء الحرب على إيران تصاعد الضغط الشعبي داخل النرويج، حيث طالبت منظمات مدنية الحكومة بتوضيح دورها فيما وصفته بـ”التواطؤ مع جرائم إسرائيل”، خصوصاً عبر استمرار التعاون العسكري والتقني مع الولايات المتحدة.
ويشير الكاتب إلى أن النشاط الدبلوماسي تجاه إيران يسمح للحكومة النرويجية بإظهار نفسها للرأي العام الداخلي باعتبارها دولة مستقلة وليست مجرد تابع صامت لواشنطن. كما يوضح الكاتب أن حكومة حزب العمال بقيادة يوناس غار ستوره انتقدت باستمرار الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران ووصفتها بأنها انتهاك للقانون الدولي، لكنها في الوقت نفسه أدانت الضربات الإيرانية ضد البنى التحتية المدنية في دول الجوار.
ويلاحظ الكاتب أن هذه الازدواجية تمثل النموذج التقليدي للسياسة النرويجية، فهي تمنح أوسلو إمكانية الحفاظ على قنوات الاتصال مع جميع الأطراف، لكنها في المقابل تتطلب خطوات عملية وعلنية، ولذلك جاءت زيارة كرافيك كتجسيد لهذا النهج.
ويشرح الكاتب أن وراء النشاط الدبلوماسي النرويجي بُعداً اقتصادياً واضحاً، إذ أدى إغلاق مضيق هرمز إلى صدمة عالمية في أسواق الطاقة، فارتفعت أسعار النفط إلى أكثر من مئة دولار للبرميل، بينما قفزت أسعار الغاز الطبيعي بأكثر من 80 بالمئة. وفي ظل هذه الظروف، تحولت النرويج، بصفتها أكبر مورد للغاز الطبيعي إلى أوروبا، إلى المستفيد الأكبر من الأزمة، خاصة مع تزايد اعتماد القارة الأوروبية عليها كمصدر طاقة مستقر.
ويتابع أن الحرب منحت الاقتصاد النرويجي مكاسب ضخمة على المدى القصير، في وقت تستخدم فيه الحكومة أزمة هرمز لتبرير التضخم وارتفاع أسعار الوقود وتشديد السياسات المالية أمام المواطنين، تماماً كما تُستخدم “التهديدات الروسية” لتبرير الإنفاق العسكري المتصاعد في أوروبا.
كما يشير الكاتب إلى أن رئيس الوزراء يوناس غار ستوره حذر النرويجيين من أن الحرب لن تنتهي قريباً، وأن تداعياتها ستستمر لفترة طويلة. ويلاحظ الكاتب أن هذا الواقع خلق حالة من التناقض داخل السياسة النرويجية، إذ إن أوسلو تريد الاستقرار من أجل الاقتصاد العالمي، لكنها في الوقت نفسه تستفيد مالياً من استمرار الحرب.
ويلفت إلى أن الملف الأكثر حساسية يتمثل في صادرات السلاح النرويجية. ففي حين جمدت سويسرا تراخيص تصدير الأسلحة إلى الولايات المتحدة بحجة الحياد، رفضت النرويج اتخاذ خطوة مماثلة، وواصلت تبرير صادراتها العسكرية باعتبارها جزءاً من التزاماتها تجاه حلف الناتو.
ويشرح الكاتب أن القانون النرويجي الصادر عام 1959 يمنع تصدير السلاح إلى الدول المنخرطة في الحروب، إلا أن الحكومة لم تصنف العمليات الأمريكية ضد إيران على أنها “حرب غير مشروعة” رغم وصفها الضربات بأنها مخالفة للقانون الدولي، ولذلك استمر تصدير الأسلحة.
ويلاحظ الكاتب أن هذه التناقضات — من تجميد صادرات السلاح إلى الكيان الصهيوني مع استمرار تصديرها إلى الولايات المتحدة، وانتقاد الضربات الأمريكية مع الحفاظ على التعاون العسكري معها — تعكس بدقة الازدواجية التي تحكم السياسة النرويجية اليوم.
ويختم الكاتب بالتأكيد على أن الزيارة النرويجية إلى طهران قد لا تحقق نتائج فورية، لكنها تحمل قيمة سياسية بحد ذاتها لأنها تمثل أول اتصال غربي مباشر مع القيادة الإيرانية منذ اندلاع الحرب. كما يشير الكاتب إلى أن كرافيك خرج من طهران بقناعة واضحة مفادها أن إيران تعتبر نفسها الطرف الأقوى، وأن الضغوط العسكرية وحدها لن تجبرها على التراجع، خاصة بعدما أظهرت تسريبات الاستخبارات الأمريكية أن الجزء الأكبر من الترسانة الصاروخية الإيرانية ومنصات الإطلاق ما يزال سليماً.
ويؤكد الكاتب أن هذه المعطيات تعني أن الرهان الأمريكي والإسرائيلي على الحسم العسكري قد فشل، وأن طريق التفاوض، مهما بدا معقداً وطويلاً، أصبح الخيار الواقعي الوحيد. كما يختم الكاتب بالإشارة إلى أن العالم سيواصل دفع ثمن هذه الحرب لفترة طويلة، سواء عبر اضطرابات الطاقة أو الأزمات الغذائية أو تغير مسارات التجارة العالمية، بينما تبقى الجمهورية الإسلامية رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص مستقبل الشرق الأوسط.
https://telegram.me/buratha

