دراسات

لماذا يتهموننا بالطــائفية؟!


 

د. علي المؤمن ||

 

    من خلال استقراء ما يكتب وينشر من تعليقات ونقود وقراءات حول كتابات  بعض الباحثين والكتّاب ومحاضراتهم ومشاركاتهم، وأنا أحدهم، وخاصة كتاباتنا التي نتناول فيها قضايا الاجتماع المذهبي والسياسي، أو نكشف عن مظاهر ومعضلات المشكلة الطائفية؛ وجدت ثلاث فئات تتهمنا بأن خطابنا طائفي، وهي: فئة الغافلين وفئة المستغفلين وفئة الطائفيين.  

   الغافلون والمستغفلون هم من الأنا المذهبية غالباً، أي من الشيعة، أما الطائفيون فهم من الآخر المذهبي، وليس كل الآخر المذهبي بالطبع؛ بل الطائفيين منهم فقط، من حملة العقل الطائفي التمييزي، بتكوينه المركّب العجيب: العثماني القومي البعثي السلفي الوهابي، وإرثه وتجلياته وخطابه.

    وتختلف دوافع الطائفيين عن دوافع الغافلين اختلافاً جذرياً، فالغافلون حين يتهمون بعض أبناء جلدتهم بالطائفية؛ فإن دوافعهم ـــ أحياناً ــ هو الحرص على درء الانقسام في مسارات الدولة والمجتمع، وعلى تسيير عجلتها كيفما كانت، وعلى كل علّاتها كما يعتقدون، وهو دافع واهم تماماً، ومبني على عدم معرفة بحقائق المشكلة الطائفية وتراكماتها ومآلاتها، أو أنه مبني على قصر نظر في الرؤية والتحليل. وربما نكون دوافع الغافلين - أحياناً أخرى- ناشئة عن هزيمتهم النفسية وقشلهم الذاتي في قيادة عمليات التغيير والبناء الموضوعي الجديد، وعجزهم عن مواجهة تحدياتها، أو تتلخص دوافعهم ـــ أحياناً ثالثة ـــ في تحقيق مصالح فئوية وشخصية، دون الالتفات الى خطورة التضحية بالواقع من أجل المواقع، وهي ربما غفلة شيطانية؛ لكنها غالباً ما تصل الى مستوى الخيانة للدين والوطن والمجتمع.

    أما فئة المستغفَلين؛ فهي متماهية بخطاب الطائفيين، وواقعة تحت تأثير الضخ الإعلامي الطائفي أو السلوكيات الموروثة من العهد البعثي. ويدخل في فئة المستغفَلين أيضاً؛ العناصر المرتبطة بأجندات خارجية، سواء غربية أو خليجية، وهو موضوع لانحتاج للتدليل عليه الى أدلة مضنية. ولذلك؛ فإن أغلب المستغفَلين هم ضحايا الإعلام المضاد أو عدم المعرفة بعمق المشكلة الطائفية وطرق علاجها، ويتصورون أن حلّها يكمن في الشعارات الفضفاضة العامة وتبويس اللحى والهتاف باسم الوطن والوطنية والقومية أو العلمانية والمدنية، وهي شعارات لن تحل المشكلة حتى قيام الساعة.  وسيكون حديثي هنا مقتصراً على الفئة الثالثة فقط، أي الطائفيين، وسأخصص مقالين آخرين عن فئتي الغافلين والمستغفلين.

   يرمينا الطائفيون بدائهم الطائفي لثلاثة أسباب:

    الأول: إيماننا العميق بأن القضاء على الطائفية ومظاهرها المتجذرة؛ لايتم بالشعارات الفضفاضة وخطاب التعويم والتسطيح والاستغفال، وإنما يتم بالخطاب الحفري المركّز الذي يفضي الى كشف مظاهرها ورموزها وعلاجاتها؛ لأن الطائفية ومظاهرها في واقعنا ليست قضية هامشية وسطحية وآنية؛ بل هي قضية تراكمية معقدة جداً، وإحدى أوجه البنية المذهبية والسياسية والقانونية لدول المسلمين، وأحدى أوجه الثقافة النفسية والمجتمعية للحكام ومشايخهم، منذ ١٣٥٠ عاماً وحتى هذه اللحظة، ولاتزال أحد أخطر مشاكل أمتنا ومجتمعاتنا المسلمة ومنطقتنا ووطننا.

    الثاني: خطابنا الواقعي ونظرتنا الحفرية للطائفية ومظاهرها، ولكل مشاكل المجتمع والدين والتاريخ، وهو خطاب ونظرة ينسجمان مع حقائق السبب الأول آنف الذكر، وهما يفرضان تسمية الأشياء بمسمياتها، دون لف ودوران، ودون براقع وشعارات فارغة، والكشف عن جذور الواقع الطائفي وتعرية مظاهره وخطابه ورموزه. ونحن نؤمن بأن هذا الخطاب والعلاجات والحلول التي نهدف الى تقديمها لأصحاب الاختصاص في الدولة والمؤسسات الدينية والسياسية والاجتماعية، وعموم أصحاب الرأي والقواعد الاجتماعية؛ من شأنها القضاء على الطائفية ومظاهرها بنسبة كبيرة.

    ولذلك؛ فإن إيماننا بخطورة المشكلة الطائفية، وعمقها، ولابدية تفكيكها وحلها حلاً جذرياً، وخطابنا الحفري ونظرتنا الواقعية لها؛ هي عوامل تستفز الطائفيين في الصميم، وتجعلهم يرموننا بدائهم؛ انطلاقاً من رفضهم القضاء على طائفية الدولة ومظاهرها؛ لأن خطابنا يعري هذا المظاهر ويفضحها، كما يعري سلوكياتهم وخطابهم.

   الثالث: إن خطابنا توعوي استنهاضي إيجابي بّناء، فهو يعمل على رفض الموروث الطائفي ومظاهره القائمة، ويعمل على إنهائها، ويعطي الحلول والبدائل، وهو ما يؤدي الى تحقيق مبدأ رفع الظلم التاريخي والقائم عن مذهب آل البيت وأتباعه، ويجعل المجتمع الشيعي على وعي كامل باستحقاقاته المذهبية والسياسية والمعيشية والقانونية.

   هذه الأسباب الثلاث؛ تجعل الطائفيين يرفضون خطابنا رفضاً قاطعاً، وتدفعهم لمحاربتنا، واتهامنا بشتى التهم، كما كانت ترفضه أجيالهم السابقة، من عثمانيين وقوميين وبعثيين ووهابيين؛ فنجدهم حريصين على الإبقاء على التمييز الطائفي والطبقية الطائفية والرموز الطائفية في مفاصل الأمة والدولة والمجتمع، بنسختها العثمانية، وكما غذّتها الحكومات الملكية في العراق، وأعاد إنتاجها نظام البعث بفاعلية أكبر، وكما تقاتل من أجلها الجماعات والانظمة الطائفية القائمة، والحيلولة دون استمرار ضخ الوعي باستحقاقات المجتمع الشيعي.

   أي أن دافع هؤلاء الطائفيين لاتهامنا بالطائفية؛ يتلخص في حرصهم الشديد على المحافظة على الإرث العثماني القومي البعثي الطائفي، ومعادلاته ومظاهره في الدولة وسلطاتها، ورمزياتها وقوانيها وثقافتها السياسية ومناهجها الدراسية وسلوكيات حكامها ومسؤوليها، وضرب كل من يعمل على القضاء على هذا الإرث. وهو ما يغفل أو يتغافل عنه الشريك الشيعي في السلطة؛ أما جهلاً بخطورة هذا الواقع على حاضر العراق والمنطقة ومستقبلهما، أو سكوتاً من أجل مصالح وشراكات فئوية وشخصية.

    وحيال مبدأ لابدية حل المشكلة الطائفية جذرياً؛ أقول بأن الباحث المتخصص الناصح، ينبغي أن يكون لصيقاً بالتشخيص الواقعي العميق ولا يتجاهل حقائقه، وبخلاف ذلك؛ فهو باحثٌ سطحي أو محاب أو مخرب، وليس وطنياً حقيقياً وناصحاً وعميقاً؛ بل سيكون كأي واحد من أصحاب الشعارات الفارغة والمصطلحات الرنانة الوهمية، أو كأي منهزم ومرعوب ومستسلم، أو كأي خائف على منصبه ومصالحه، أو كأي خائن لمجتمعه وانتمائه، وحينها سيفشل في المساهمة في معالجة أمراض الوطن والمجتمع ومشاكلهما.

    وأرى أن الباحث المتخصص الناصح، كالطبيب الجراح الحاذق، يفحص المريض بعناية، ويشخّص المرض دون مجاملة المريض، ثم يقدم التوصيات والنصائح، ويصف العلاج، وعادة ما يكون العلاج مزعجاً للمريض كثيراً، ويعطل حياته الإعتيادية، ويكلفه مالياً ومعنوياً، وربما فيه مضاعفات جانبية، بل تستدعي الأمراض المزمنة والمستعصية والمستفحلة عمليات جراحية، يؤدي بعضها الى الاستئصال والبتر، للحيلولة دون انهيار المريض وموته.

    ولذلك؛ لايعنينا إطلاقاً أن يتهمنا الغافلون والمستغفلون والطائفيون بالطائفية؛ لأننا وكل حواضننا الاجتماعية أكتوينا بنار التمييز الطائفي منذ الولادة، وكنا ضحاياه على طول التاريخ. لذلك؛ سنبقى نحارب الطائفية ومظاهرها بكل ما نستطيع، ولن نكف، حتى ترجع الروح الى بارئها.

 

 1/ 8 /2021

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1724.14
الجنيه المصري 92.94
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.96
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 1.16
دولار امريكي 1449.28
ريال يمني 5.82
التعليقات
رسول حسن نجم : يقول الامام الحسين ع(ان الله ليعطي على النيه مالايعطي على العمل) فصبرا حتى يقضي الله وعدا كان ...
الموضوع :
الحمد لله الذي خلق الحسين..
رسول حسن نجم : لماذا هذا الخلط بقائمه هي موجوده اساسا في العمليه السياسيه منذ٢٠٠٣ وبين المتطوعين الذين هم من الجماهير ...
الموضوع :
انتخب الحشد وكن من الشجعان ولا تكن من الغمان!
رسول حسن نجم : بتقسيم ١٣٠ مليار دولار على ٤٠مليون(عدد سكان العراق) يكون الناتج٣٢٥٠(ثلاثة الاف ومئتان وخمسون) دولار وليس ثلاثة ملايين ...
الموضوع :
الاقتراض الاضطراري
رجب سلمان ثجيل : المشكلة ليست بالمسكين صاحب نظرية (غلس وانته ما تدري)...المشكلة بالذيول والمطبلين واللوكيه الذين يتحلقون حول المشعول( طبعا ...
الموضوع :
غلّس وإنت ما تدري ..!
مقيم في ايران : اجمل الحوارات التي اانس بها حوار السفارة العراقية في ايران الكاتب ينتقدهم لتأخير معاملة ايرانية زوجها عراقي ...
الموضوع :
أسلاك شائكة في طريق زوجات العراقيين من أصول ايرانية
منير حجازي : سحب رتبة الضباط ، القائهم في التوقيف ومحاكمتهم وادانته وزدهم في السجن. غير ذلك لا ينفع اي ...
الموضوع :
’هددوا الشاب بأخواته وأمه’ ’سايكوباثيون’ يعششون داخل أجهزة الأمن العراقي.. لا استقالات ولا إقالات بعد فضيحة بابل
رسول حسن نجم : هذا من ضمن الاحقاد الدفينه على سماحة الشيخ الصغير من قبل الزمر البعثيه ومن تبعهم جهلا او ...
الموضوع :
بالصور .... جزء من الحملة المستمرة للافتراء على سماحة الشيخ جلال الدين الصغير
رسول حسن نحم : في رأيي القاصر يجب الرجوع الى مدارس الموهوبين لاختيار مجموعه منهم ممن له الرغبه في التحقيق في ...
الموضوع :
’هددوا الشاب بأخواته وأمه’ ’سايكوباثيون’ يعششون داخل أجهزة الأمن العراقي.. لا استقالات ولا إقالات بعد فضيحة بابل
رسول حسن نجم : اذن باختصار شديد.. كل الدول تبحث عن مصالحها الا الحكام العرب يتوسلون لهذه الدول بالمال وماء الوجه(ان ...
الموضوع :
أميركا وروسيا كما بريطانيا وفرنسا وجهان لعُملَة صهيونية واحدة
رسول حسن نجم : لم تبارك المرجعيه لاسابقا ولاحاضرا لحد الان اي قائمه انتخابيه بل كانت بياناتها هي (الوقوف على مسافه ...
الموضوع :
الحشود لاختيار الفتح..!
فيسبوك