دراسات

الماسوشية السياسية (الخضوعية)

1865 2023-01-31

د.أمل الأسدي ||

 

نبدأ أولا بتعريف الماسوشية أو المازوخية:وهي اضطراب في السلوك يتجسد في رغبة الشخص بالخضوع والتعرض للألم والتعنيـ.ف(الجسدي والمعنوي) والذل، وقد تتفاوت نسبة هذه الرغبة من شخص إلی آخر، وقد تم إدراج الماسوشية كمرض  نفسي يحتاح إلی تشخيص ومعالجة من أجل السيطرة عليه والتعافي منه(١)

وأری أن الماسوشية قد لا تنحصر بالجانب المُتعَوي(اللذة)  فتتجاوز هذا الجانب، فتكون صفة سلوكية عامة بالنسبة للفرد، أي أنه يشعر بالارتياح والرضا حين  يخضع لآخر يذله أو سبق أن أذله وآذاه في  موقفٍ ما أو قضية ما، سواء كان هذا الموقف لمدة زمنية محدودة  أو مستغرقة طويلة، وعلی هذا الأساس  يمكننا  رصد  السلوك الماسوشي وتتبع  تمظهراته  بعيدا عن المتعة الجنسية، وهذا الرصد بلحاظ أننا نتحدث عن ماسوشية سياسية ، وسيضعنا  هذا التتبع أمام  قضية وهي؛ هل يمكن أن تتحول الماسوشية من مرض أو سلوك  فردي إلی ظاهرة جمعية في مجتمع ما أو كتلة بشرية ما؟

هنا سنقف عند تمظهرين من تمظهرات الماسوشية السياسية:

⭕الأول: صناعة الشعوب الماسوشية

وهذا التمظهر  أشاعته الماكنة السلطوية التي  تريد أن تربي المجتمعات علی الخضوع، وهذه الماكنة الاستعمارية السلطوية سادية التفكير، أي أنها تستلذ بتعذيب الشعوب وحرمانها من حقوقها. وتسعی إلی تغليف رغباتها السادية بمصطلحات تخفي حقيقتها، فنجدها تأتي من آخر الدنيا لتتحدث عن حقوق إنسان في بلدٍ شرقي ما، أو تتحدث عن الديمقراطية وهي التي تتحكم بالبلدان، ولاسيما بلدان النفط والمواد الأولية، وبلدان الرصيد الحضاري الذي تفتقده المنظومة الاستعمارية! والغريب أنه لايتم محاسبة هذه الدول والقول لها: من أتی بكم من آخر الدنيا الی بلداننا كي تعلمونا الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ وأية حقوق تلك التي يقدمها مستعمر غاز؟!

إذن تصبح المعادلة علی النحو الآتي: سلطة  عليا سادية ، ومجتمعات وشعوب ماسوشية ترضی بالخضوع والذل والهوان.

وكي تتضح الصورة سنتحدث عن أنموذج من صناعة الشعوب الماسوشية، وهي الشعوب  العربية الإسلامية، فقد قام متبنو النظريات الغربية بصناعة  فكرٍ مقلوبٍ مشوه ومزيف، مفاده أن الدين الإسلامي، دين  إنسانية وكرامة، وهذا لايمكّنه  من أن يبني دولة،أو بمعنی آخر أن رجال الله المتدينين أمثال (علي بن أبي طالب) الذي يؤمن بوجوب تحقيق العدالة والمساواة بين الأفراد، لايصلح للحكم والإدارة وقيام الدولة، فمفهوم الدولة لديهم  يقترن بالجور والظلم والحديد والنار، فشوهوا الحقائق وسرقوا من رسول الله والعصبة المؤمنة معه و كتاب الله المنزل، ما تم تحقيقه علی أرض الواقع، إذ تم لمّ شتات العرب والمسلمين وتحويلهم إلی أمة، وهذه الأمة تتنظم بدستور عادل وهو القرآن الكريم، الذي يضم التشريعات والقوانين التي تغطي مساحة الحياة البشرية بكل تفاصيلها، هذه الأمة تحتكم إلی سلطة متمثلة برسول الله الأعظم، وهذه المرحلة من أخطر المراحل وأشدها صعوبة، فهي مرحلة التأسيس  والمواجهة، وإذا لم يكن مفهوم  الدولة والمواطنة يعني أنه الانتظام بقانون أو دستور تحكمه سلطة، تعمل علی تطبيق القوانيين  بين الناس، وتنظم مفاصل حياتهم، كما تجسد ذلك في الدولة المحمدية التي أسسها رسول الله وأهل بيته ؛ فكيف يكون تعريف الدولة إذن؟؟

فنجدهم يجترون الأحاديث المعلبة ذاتها،ويبررون للفقه السلطوي الذي يبيح دمـ.اء الناس وأرواحهم، يمدحون حروب الفتوح   بغض النظر عن التجاوزات اللاإنسانية الفادحة!! وبغض النظر عن  خزائن السلطة التي امتلأت بأموال الشعوب! (٢)

ويمدحون  معاوية ويزيد علی الرغم من بشاعة ما فعلوه بالمسلمين وبالانسانية،  فتضج قصورهم بالجواري والسبايا  والغلمان والشراب والأموال، فتخيل أن (أبو قيس) قرد يزيد له مكانة وكرامة وحظوة، بينما تهان مقدسات الأمة  وتزهق أرواح الأولياء، وتُسفك الطفولة، ومع ذلك يسمون  هذا الإجـ.رام  دولة!!

ومن أكثر الشعوب التي  قست عليها الماكنة الغربية الشيطانية، الشعب العراقي، فالعراق الذي اختاره الإمام علي ليكون  مركز الدولة، ويخلصه من  الإقصاء والتهميش

فضلا عن معرفة الإمام بطبيعة هذه المنطقة وخصائصها الحضارية، العراق وشعبه تعرض لشتی أنواع الجور والظلم، فقد سلط عليه الأمويون الحجاج الثقفي الذي أوغل في تعذيبهم وتفنن في أساليب سجنهم وترويعهم(٣)

وعلی الرغم من ذلك يتم الترويج الی قضية أنها دولة وأنه كان قائدَ دولة!!

وهكذا في العصر العباسي الذي لم يسلم فيه لا إمام ولامتصوف ولاشاعر ولا كاتب  ولامعلم من القتـ.ل والتنـ.كيل والتمثيل  بجـ.ثامينهم، العصر الذي تكتظ فيه  أزقة بغداد بالشحاذين والعيارين والشطار، العصر الذي  تكون فيه  لـلجارية(خالصة) السطوة والحظوة أكثر من العلماء والأولياء والتابعين!!

العصر الذي يتمتع فيه القصر وسكانه والمتملقون للسلطة بالمال والثروة والنعيم ، هكذا يصفون هذا العصر بأنه دولة!!

وبهذا الترويج والتزييف صنع الطامعون  شعوبا ماسوشية، تخضع لمعذبيها، وتسلم لهم، وكلما  ولی نظام قاس ظالم، اشتاق إليه الشعب، فالمجتمع تواق الی من يهينه ويجلده، ويحرمه، ولايبالي  بقضية الكرامة، فقد تم تربيته علی أن الكرامة في الدولة،والدولة تعني الظلم، وتعني تسلط فئةٍ ساديةٍ تستلذ بسفك  الـ.ـدمـاء  علی الاغلبية  وتحرمها حقوقها في الحياة والتعلم والتنعم والسفر والاستقرار!!

فلا عجب  بعد هذا أن تری  الآن من يمدح الأمويين أو العباسيين أوالعثمانيين أو  الملكية أو البعـ.ثية!!

⭕ كيف نعالج هذا المرض؟

قضية معالجة الشعوب  أو المجتمعات  من الماسوشية  السياسية(الدولة تعني الظلم والحكم بالحديد والنار) صعبة ولكن ليست مستحيلة!!

  ١-  تبدأ من إعادة بناء الهوية وعناصر تشكلها،والخطوة الأولی  بعد التشخيص هو التنظير للحلول، فعلی سبيل المثال إذا تحدثنا عن العراق وكيفية تخليص المجتمع من تقديس الظالم، علينا أولا ضبط مراحل تأسيس الهوية وهي المناهج التربوية التي تخضع الی فلسفة التعليم الأمريكية التي تعمل علی صناعة القطيع.

٢- الإعلام والفن: بهذين العنصرين نستطيع تعرية وجوه الظالمين وتبيان سياساتهم المنحرفة التي تهدف إلی  التسلط والسيطرة علی مقدرات الشعب، ومصادرة حقوق الأغلبية.

٣-  دعم المدرسة الاجتماعية المضادة للمدرسة الغربية ومتبنياتها، فالماكنة الغربية ضمنت  للمتوافقين معها والسائرين في ركابها،الترويج والشهرة والحفاوة والدعم المادي، بينما ظلت المدرسة الاجتماعية  الإسلامية الحديثة  مهمشة، لم تحصل علی التمكين  أو الدعم،سواء كان هذا التمكين الممنوع تمكينا إعلاميا أم ماديا أم اجتماعيا ...الخ

٤- مواجهة العدمية  واليأس فهي مرتبطة بالماسوشية بشكل مباشر،وتحاول العدمية استغلال الفشل السياسي وتوظيفه في تقديس الظالم، فلا فائدة من المواجهة، ولا أمل في التغيير، ولايوجد سوی الخضوع!

٤- دعم الثقافات المحلية، والسعي الی توظيفها في خلق وعي مضاد للخضوعية الماسوشية. ولاسيما  الطقوس والشعائر الجمعية، وعلی رأسها الزيارة الأربعينية والزيارات الرجبية والشعبانية وسائر المناسبات.

 

للبحث تتمة

 

ــــــــــــــــ

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 0
يورو 0
الجنيه المصري 0
تومان ايراني 0
دينار اردني 0
دينار كويتي 0
ليرة لبنانية 0
ريال عماني 0
ريال قطري 0
ريال سعودي 0
ليرة سورية 0
دولار امريكي 0
ريال يمني 0
التعليقات
محمود الراشدي : نبارك لكم هذا العمل الجبار اللذي طال إنتظاره بتنظيف قلب بغداد منطقة البتاويين وشارع السعدون من عصابات ...
الموضوع :
باشراف الوزير ولأول مرة منذ 2003.. اعلان النتائج الاولية لـ"صولة البتاوين" بعد انطلاقها فجرًا
الانسان : لانه الوزارة ملك ابوه، لو حكومة بيها خير كان طردوه ، لكن الحكومة ما تحب تزعل الاكراد ...
الموضوع :
رغم الأحداث الدبلوماسية الكبيرة في العراق.. وزير الخارجية متخلف عن أداء مهامه منذ وفاة زوجته
عمر بلقاضي : يا عيب يا عيبُ من ملكٍ أضحى بلا شَرَفٍ قد أسلمَ القدسَ للصُّ،هيونِ وانبَطَحا بل قامَ يَدفعُ ...
الموضوع :
قصيدة حلَّ الأجل بمناسبة وفاة القرضاوي
ابراهيم الجليحاوي : لعن الله ارهابي داعش وكل من ساندهم ووقف معهم رحم الله شهدائنا الابرار ...
الموضوع :
مشعان الجبوري يكشف عن اسماء مرتكبي مجزرة قاعدة سبايكر بينهم ابن سبعاوي
مصطفى الهادي : كان يا ماكان في قديم العصر والزمان ، وسالف الدهر والأوان، عندما نخرج لزيارة الإمام الحسين عليه ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يكشف عن التعاقد مع شركة امريكية ادعت انها تعمل في مجال النفط والغاز واتضح تعمل في مجال التسليح ولها تعاون مع اسرائيل
ابو صادق : واخیرا طلع راس الجامعه العربيه امبارك للجميع اذا بقت على الجامعه العربيه هواى راح تتحرر غلسطين ...
الموضوع :
أول تعليق للجامعة العربية على قرار وقف إطلاق النار في غزة
ابو صادق : سلام عليكم بلله عليكم خبروني عن منظمة الجامعه العربيه أهي غافله ام نائمه ام ميته لم نكن ...
الموضوع :
استشهاد 3 صحفيين بقصف إسرائيلى على غزة ليرتفع العدد الى 136 صحفيا منذ بدء الحرب
ابو حسنين : في الدول المتقدمه الغربيه الاباحيه والحريه الجنسيه معروفه للجميع لاكن هنالك قانون شديد بحق المتحرش والمعتدي الجنسي ...
الموضوع :
وزير التعليم يعزل عميد كلية الحاسوب جامعة البصرة من الوظيفة
حسن الخفاجي : الحفيد يقول للجد سر على درب الحسين عليه السلام ممهداً للظهور الشريف وانا سأكمل المسير على نفس ...
الموضوع :
صورة لاسد المقاومة الاسلامية سماحة السيد حسن نصر الله مع حفيده الرضيع تثير مواقع التواصل
عادل العنبكي : رضوان الله تعالى على روح عزيز العراق سماحة حجة الإسلام والمسلمين العلامة المجاهد عبد العزيز الحكيم قدس ...
الموضوع :
بالصور ... احياء الذكرى الخامسة عشرة لرحيل عزيز العراق
فيسبوك