المقالات

أمراض الدولة: السمنة البيروقراطية- العراق أنموذجا

1433 2014-08-23

"البروقراطية" كلمة أصبحت شائعة, سواء بين فئات المثقفين او المواطنين العاديين, وهذه الكلمة وبحسب أصولها وجذورها اللغوية القديمة, تعني : حكم المكاتب؛ وارتبط استخدامها بالإتجاهات الليبرالية في القرن الثامن عشر, ثم ترسخ في القرن التاسع عشر, على يد الثوريين الفرنسيين, الذين كانوا يفضلون سلطان الطبيعة على الإنسان, عن سلطان الإنسان على الإنسان؛ ومصطلح البيروقراطية من منظور دلالته الإجتماعية, يتميز بالتنوع, فهو ذو مضمون اجتماعي- سياسي, يكون عادة تابعا لنوعية القوة السياسية الإجتماعية المنمطة في بلد معين.
ومع ما يحمله هذا المصطلح من دلالات مصطبغة بسلبية واضحة, إلا أننا يمكن أن نرصد اتجاهين رئيسيين لتفسيره؛ الإتجاه الأول: يحاول ان يسبغ على هذا المصطلح معنى إداريا بحتا, فيقدم صورة لعالم بأكمله من المكاتب والموظفين والسعاة والأوراق والملفات والروتين؛ وهي صورة تمثل البطء والتهرب من المسؤولية, وأحيانا القهر والظلم. والإتجاه الثاني : يحاول أن يفسر هذا المصطلح تفسيرا سياسيا, ليرسم صورة لطبقة من الموظفين, التي تستخدم سلطتها المكتبية, في سبيل الحصول على امتيازات اقتصادية وسياسية واجتماعية على حساب الشعب, وتمارس سلطتها بطريقة تعسفية, بل واستبدادية أحيانا.
ما تم توصيفه يمثل الحالة الإدارية في بلد من البلدان, يصر القائمين على منظومته التشريعية والقانونية, أن يسير ويُسَيِّر مواطنيه, بمتاهات طويلة من الإجراء الروتيني القاتل؛ إلا أن ما يحصل في العراق هو أشد وقعا وأقوم قيلا!
ففي العراق, كان اندفاع الدولة اتجاه فتح مجال التعيين الوظيفي, كآلية لإمتصاص البطالة المتفشية, أثر كبير في حصول حالة تضخم وسمنة وترهل في جسد الدولة المؤسساتي, مما أثقل كاهل الدولة اقتصاديا وماديا, وأدى الى تكوين جيش من العاطلين (برواتب)؛ ومع أن المعادلة القائمة في كل بلد يريد التطور, هو أن تكون هناك منفعة متبادلة بين أي طرفين يمثلان مشروعا تنمويا قائما؛ إلا أن هذا لا يحصل في العراق! فأغلب المواطنين من الطبقة الوظيفية, هم فئة زائدة عن الملاك الوظيفي! هذا الأمر قاد بالنتيجة الى حصول حالات مبالغ فيها من البيروقراطية والروتين, والذي أضاف الى المواطن (المراجع) هما كبيرا لا يقل حجما عن هموم أخرى, كَهَمِّ الإرهاب, وهَم العَوز, وهم الخوف من المستقبل.

سوء التخطيط, وسوء إدارة الموارد والثروات, وسيطرة المحسوبيات القرائبية والعشائرية والحزبية, وسوء تفعيل الجهاز الرقابي والعقابي في الدولة, مع سيطرة مافيوية على المجال الإقتصادي! تطورت بعد ذلك الى مافيات محترفة ومنظمة؛ كل ذلك أدى- مع ما تقوم به الدولة من عمليات توظيف مستمرة للمواطنين- إلى التأسيس لضعف في البنية الإقتصادية من جانب, وفي البنية الفكرية الوظيفية من جانب آخر؛ فأكثر من60% من الموظفين, ممن لاحاجة للدولة بهم, سوى اسكات أصواتهم المطالبة بتأمين مستقبلهم ومستقبل أبنائهم! أدى توظيفهم الى ضعف البنية الفكرية الإنتاجية لأكثرهم, خاصة وانهم لا يمثلون شيئا, من الفاعلية الوظيفية والحركية في اجهزة الدولة؛ كل ذلك أدى الى افتقادهم لأهم عامل من عوامل التطوير الوظيفي, والذي يصب في خانة تطور مؤسسات الدولة؛ وأقصد به التطور الناتج عن تراكم الخبرات, والإحتكاك المباشر, مع المشاكل الوظيفية اليومية, التي تعمل على صقل مواهب المنتمين لأي مؤسسة وظيفية؛ وإستمرار هذه الحالة, وبمرور سنين طويلة, سيؤدي الى ضعف وشيخوخة وتهاوي, للمؤسسات التي تدير الدولة والتي تديرها الدولة.

وقد لا يكون الحل سهلا, ولكن توجه الدولة نحو قطاعات الإستثمار الخاص, وتسهيل تواجد الشركات المستثمرة, مع شرط الدولة على هذه الشركات, تشغيل اليد العاملة العراقية حصرا في معاملها ومؤسساتها؛ والأهم: مراقبة ومحاسبة انسيابية عمل هذه الشركات, والوقوف بالضد من أي محاولة من أي جهة كانت, لممارسة الإبتزاز تجاه هذه الشركات؛ كل ذلك في رأيي سوف يقود الى تصحيح بعض المسارات, كحلول بدائية تعمل في البداية كروافع ودعامات, توفر الإمكانية الإدارية السلسة لحل مشكلتي: تطوير الإقتصاد+ القضاء على البطالة.

ماهو موجود اليوم في العراق من سمنة ادارية, عملت وستعمل وبشكل تدريجي, على انهيار مفهوم الدولة المؤسساتية؛ وستؤدي الى تراجع فضيع في قوة وعافية الهيكلة الإدارية لإدارة البلد عبر مؤسساته.
إلى ذلك وددنا التنبيه !
*ماجستير فكر سياسي أمريكي معاصر- باحث مهتم بالآديولوجيات السياسية المعاصرة.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
زياد مصطفى خالد : احسنت تحليل واقعي ...
الموضوع :
مسرحية ترامب مع زيلنسكي والهدف الامريكي !!
ابو حسنين : انظرو للصوره بتمعن للبطل الدكتور المجاهد والصادق جالس امام سيد الحكمه والمعرفه السيد علي السستاني بكل تواضع ...
الموضوع :
المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني يستقبل الطبيب محمد طاهر أبو رغيف
قتيبة عبد الرسول عبد الدايم الطائي : السلام عليكم اود ان اشكركم اولا على هذا المقال واستذكاركم لشخصيات فذة دفعت حياتها ثمنا لمبادئها التي ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
م خالد الطائي : السلام عليكم, شكرا لصاحب المقال, عمي مالك عبد الدايم الطائي: خريج 1970م، تخرج من كلية العلوم بغداد ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
ام زهراء : مأجورين باىك الله فيكم ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
علاء عبد الرزاق الانصاري : الاهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك