الدكتور فاضل حسن شريف
قال اية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم قدس سره الصوم عرفاً وشرعاً ليس مجرد ترك المفطر، بل القصد إلى ذلك، ولذا يصدق مع فعل المفطر جهلاً أو نسياناً، ولا يصدق بتركه من دون قصد إليه، فهو متقوم بالقصد. وحينئذٍ فظاهر قوله تعالى: "فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل" (البقرة 187). لزوم الصيام بالمعنى المذكور من ظهور الفجر إلى الليل وإشغال النهار كله بذلك. وهو مقتضى إطلاق قوله تعالى: "كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون* أياماً معدودات" (البقرة 183-184)، وغيره مما تضمن الصيام في اليوم، وصيام اليوم، من الآيات والنصوص الكثيرة. فيكون ذلك هو الأصل في الصوم، ما لم يثبت الاجتزاء بنية الصوم في أثناء النهار، واحتساب ما سبق من الإمساك من دون نية منه. هذا بالإضافة إلى نية الصوم، التي هي محل الكلام في المقام. وأما كون الداعي لذلك هو التقرب، وامتثال الأمر الشرعي به، فهو مفروغ عنه، تبعاً للمفروغية عن كون الصوم من العبادات، وليس الكلام في وجوب مقارنته للفجر وعدمها إلا تبعاً للكلام في وجوب مقارنة نية الصوم له، ولا يحتمل وجوب مقارنة نية الصوم للفجر، وعدم وجوب مقارنة التقرب به له، بحيث يكتفي بنية الصوم مقارنة للفجر مع تأخر التقرب بها عنه.
قال اية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم قدس سره: قوله تعالى: "فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر" (البقرة 184)، وقوله سبحانه: "ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر" (البقرة 185). لظهورهما في استثناء حال المرض والسفر من الخطاب بالصوم. وعلى ذلك جرت النصوص الكثيرة الظاهرة في أن سقوط الصوم في السفر والمرض عزيمة، وقد تقدم بعضها عند الكلام في عدم صحة الصوم من المريض والمسافر. وكون عدم السفر شرطاً لوجوب الصوم، لأن مقتضى الاستدراك في ذيل الآية الشريفة كون حال السفر مستثنى من إطلاق وجوب الصوم في صدرها، ومرجعه إلى تقييد الإطلاق المذكور بعدم السفر، ومن الظاهر أن التكليف لا يقتضي حفظ موضوعه وشروطه، فلا تنهض الآية بالمنع من السفر مقدمة للصوم. لا يصح الصوم من المريض. لا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه. كذا في الجواهر، وقد يستدل عليه بقوله تعالى: "فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر" (البقرة 184). لكن لما كان المرض من سنخ الأعذار عرفاً نظير العجز، ولذا كان المنصرف منه ما يضر به الصوم، فالمنصرف من الآية بدواً رفع الإلزام بالصوم من دون أن تنافي مشروعيته في نفسه، نظير ما ذكرناه في الابدال الاضطرارية. وبذلك يخرج عن قرينة سياقه مع السفر الذي كان عدمه قيداً في موضوع الصوم، بحيث لا يشرع الصوم معه. بل ربما كانت قرينة السياق ملزمة بحمل السفر على ما يشق معه الصوم، ليكون عذراً كالمرض. نظير ما قد يقال في عدم وجوب الطهارة المائية على المسافر، الذي استفيد من آيتي التيمم من حمله على من لا يتيسر له تحصيل الماء. نعم تضمنت النصوص المستفيضة أن سقوط الصوم مع المرض والسفر عزيمة لا رخصة، كصحيح ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله عليه السلام: (سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إن الله عز وجل تصدق على مرضى أمتي ومسافريها بالتقصير والإفطار. أيسر أحدكم إذا تصدق بصدقة أن ترد عليه).
جاء في كتاب مصباح المنهاج / الصوم للسيد محمد سعيد الحكيم قدس سره: بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، من غير فرق بين عجزهم عنه وبين كونه شاقاً عليهم مشقة لا تتحمل. كذا في الجواهر. وقد يستدل عليه بقوله تعالى: "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين" (البقرة 184)، بدعوى: أن المراد بمن يطيق من يلحقه من الصوم الإطاقة، وهي الكلفة والمشقة، كالشيخ والشيخة. وقد أصر على ذلك بعض مشايخنا، مدعياً أن الإطاقة غير الطاقة، ومعناها المكنة مع المشقة، وهي عبارة عن إعمال الجهد بآخر مرتبة من القدرة، بحيث تتعقب بالعجز، وهي المعبر عنها بالحرج والمشقة. وقد نسب ذلك للغويين، كصاحب لسان العرب وغيره. وكأن مراده بذلك ما في لسان العرب ومفردات الراغب، ففي الأول في تعقيب شعر ذكره: «ورواه الليث: كل امرئ مجاهد بطوقه. قال: والطوق الطاقة، أي: أقصى غايته، وهو اسم لمقدار ما يمكن أن يفعله بمشقة منه»، وفي الثاني: (والطاقة اسم لمقدار ما يمكن للإنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء، فقوله: "ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" (البقرة 286) أي ما يصعب علينا مزاولته، وليس معناه لا تحملنا ما لا قدرة لنا به، وذلك لأنه تعالى قد يحمل الإنسان ما يصعب عليه. تضمن غير واحد من النصوص تفسيرها بالشيخ والشيخة ونحوهما. إما بتأويل، كموثق ابن بكير عن أبي عبدالله عليه السلام أو عن بعض أصحابنا عنه عليه السلام: في قول الله عزوجل: "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين"، قال: الذين كانوا يطيقون الصوم وأصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك فعليهم لكل يوم مدّ). أو بدونه، كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: (في قول الله عزوجل: "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين" (البقرة 184)، قال: الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش. وعن قوله عزوجل: "فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً" (المجادلة 4) قال: من مرض أو عطاش)، وقريب منه مرسل العياشي في تفسيره. ومن ثم فالاستدلال بها إنما يتم بضميمة هذه النصوص. كما يدل عليه أيضاً نصوص أخر لم تتعرض للآية الشريفة، كصحيح محمد بن مسلم: (سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان)، وغيره مما يأتي بعضه إن شاء الله تعالى. ومن ثم لا إشكال في الحكم المذكور. وإنما الإشكال في أن رفع الصوم عنهم رخصة أو عزيمة. فظاهر جماعة الأول، وهو صريح الحدائق. ويناسبه إطلاق أدلة وجوب الصوم، كقوله تعالى: "كتب عليكم الصيام" (البقرة 184)، وقوله سبحانه: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (البقرة 185)، وغيرهما. ولا ينافيه قوله تعالى: "وعلى الذين يطيقونه" (البقرة 184)، بناء على ماسبق من دلالة النصوص على أن المراد به ما نحن فيه. فإنه وإن كان بمنزلة الاستثناء، إلا أن وروده في مورد الترخيص الاضطراري مانع من ظهوره في الإلزام، بل المتيقن منه رفع الحرج، نظير ما تقدم في المرض من أنه لولا النصوص لأشكل استفادة عدم مشروعية الصوم معه من الآية الشريفة. ولاسيما مع التعبير عن الطعام بالفدية، لظهور الفدية في تدارك النقص بفوت ما هو المشروع ذاتاً والتام الملاك، فيكون ظاهره أن الإطعام إنما هو لتدارك النقص الحاصل بترك الصوم، من دون أن ينهض ببيان عدم مشروعيته لمن أراده.
https://telegram.me/buratha
