دراسات

ثقافة إدارة الاختلاف


علي عبد سلمان

 

الاختلاف حقيقة متحركّة في الواقع الإنساني، وهو في جزء منه يمثّل حالة ذاتية ترجع للطبائع والأمزجة المتفاوتة عند الناس، وفي جزء آخر يمثّل حالة عارضة ترتبط بالتفاوت في قراءة النص، أو الواقع. فهو حقيقة تفرض نفسها، وتحتلّ مساحة من الواقع الفعلي على مختلف المستويات، العقائدية والفكرية والاجتماعية والسياسية.  فالاختلاف العقائدي مثلاً، يتحرّك تارة على مستوى أصل الاعتقاد بالإله الخالق للكون، وهو يقسّم الناس إلى صاحب عقيدة إلهية، وملحد. وأخرى يكون الاختلاف في التوحيد وعدمه، وهو يقسّم الناس إلى موحّد ومشرك. وثالثة في نبوّة النبي الخاتم، نبيّ الإسلام محمد بن عبد الله (ص)، وهو يقسّم الناس إلى مسلم وغير مسلم (كافر). كما أنّه يقع بين المسلمين أنفسهم، ما يصنّف المسلمين إلى فُرَق وطوائف. كما يتحرّك الاختلافات على المستوى الفقهي فتتشكّل المذاهب والمدارس الفقهية. وعلى المستوى السياسي فتتشكّل التكتّلات والتيّارات السياسية. وهكذا.

 وعلى هذا الأساس يتحتّم على الإنسان لكي يعيش حياته بصورة طبيعيّة وسويّة، بعيدة عن التوتّرات والنزاعات، أن تكون له ثقافة التعايش، وثقافة إدارة الاختلاف. وهي ثقافة ضروريّة ولازمة لكلّ إنسان، لأنّ الاختلاف حالة ملازمة للحياة الإنسانية كما عرفنا. وعلى كلّ حال، فالاختلاف حتّى في أعمق مستوياته - أعني العقائدي - ينبغي أن يكون له ضوابط وأصول، ولا بدّ أن يتحرّك ضمن ثقافة الاحترام المتبادل. والاختلاف في حدّ ذاته لا ينبغي أن يبرّر الاحتراب والمواجهة العنيفة. ولذلك نجد الإسلام لا يجيز للمسلم مواجهة الكافر ومحاربته لمجرّد كفره ورفضه للعقيدة الإسلامية، إلاّ أن يكون محارباً، قال تعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحبّ المقسطين ( 8 ) إنّما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولّهم فألئك هم الظالمون ( 9 ) }الممتحنة. { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمناً بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون }العنكبوت/46.

  فالقرآن الكريم يقدّم - كما هو مدلول الآية الأولى - قاعدة كليّة لطبيعة وكيفيّة علاقة المسلمين مع غير المسلمين، وهي أن تقوم هذه العلاقة على أساس من البر والقسط أي العدل. وهي ما يعبّر عنها هذه الأيام ( بالاحترام المتبادل ). إلاّ أن يكون لهم موقف عدائي من المسلمين فحينئذٍ لا يجوز إقامة علاقة البر والقسط معهم، بل لابدّ من مواجهتهم والردّ عليهم بما يردعهم عن غيّهم وعدوانهم. كما يؤكّد القرآن - كما هو واضح من الآية الثانية - على ثقافة المجادلة بالتي هي أحسن، وهو ما يعرف اليوم ( بثقافة الحوار ). فالقاعدة الأوليّة إذن في العلاقة مع الكفّار، هي الحوار معهم والبر بهم والإقساط إليهم. فيا تري ما هي القاعدة الأوليّة في العلاقة بين المسلمين والمؤمنين أنفسهم؟. القاعدة - كما هو واضح دينياً - هي ما يقرّره قوله تعالى: { إنّما المؤمنون أخوة.. }الحجرات/49، وقوله سبحانه: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض.. }التوبة/9. وما تقرّره الروايات الشريف الكثيرة، كقول الرسول الكريم ( ص ): " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه "، وقوله ( ص ): " مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى "، وقول الإمام الصادق ( ع ): " المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد إذا اشتكى شيئاً منه وجد ألم ذلك في سائر جسده وأرواحهما من روح واحدة ". وهناك حقوق كثيرة تترتّب على هذه الأخوّة الإيمانيّة - أوصلتها بعض الروايات إلى ثلاثين حقّاً - لسنا بصدد الحديث عنها.

  نعم، الأخوّة الإيمانيّة، والولاية الإيمانية، عنوانان جميلان لحقيقتين عميقتين متجذّرتين في صميم الإسلام. وهذان التعبيران هما غاية ما يمكن أن يطرح لبيان عمق العلاقة بين شخص وآخر. والاختلاف بين المسلمين مهما اشتد وكبر، لا يبرّر التنازع والتحارب أبداً، بل لا يبرّر ذلك بين المسلم والكافر - كما عرفت - فضلاً عن المسلمين فيما بينهم.

  ومن هنا يفهم أنّ الاختلاف المبدئي والثقافة الأيديولوجية مهما ترسّخت لا تمثّل سبباً لظاهرة التطرف، وليست هي المحرّك للعنف والتصادم، كما يدّعي البعض. إذ أنّ قضيّة الأدلجة حقيقة لا ينفك عنها أي مذهب فكري، سواء كان دينياً أم غير ديني. فهذه الدعوى غير دقيقة، بل لا تتوافق مع الواقع، إذ أنّ التاريخ ينقل لنا صوراً من الصلابة الدينية والعمق الأيديولوجي المقترنة بصورٍ رائعة من التعامل مع الآخر على أساس من التسامح والخلق الرفيع والعدل والإحسان.. . وسيرة الرسول الأكرم والأئمة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين، خير شاهد على ذلك.

  فلا تعارض بين المبدئية والثقافة الأيديولوجية من جهة، والتسامح والرفق.. من جهة أخرى. قال تعالى: { ومن أحسنُ قولاً ممَّن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين ( 33 ) ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالَّتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌّ حميم ( 43 ) }فصلت.

  فالقضية إذن ليست قضية أيديولوجيا، وإنّما قضيّة أخلاق، وإدارة للخلاف مع الآخر.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1408.45
الجنيه المصري 75.53
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1666.67
دينار كويتي 3846.15
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 326.8
ريال سعودي 317.46
ليرة سورية 2.33
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.75
التعليقات
عراقي : الف شكر وتقدير على نشركم هذه الحقائق اتمنى من جميع الشباب قراءة هذه الاخبار لكي يكون عندهم ...
الموضوع :
هكذا يحتالون بإعلامهم .. لنكن أكثر حذراً
مها وليد : ياالله، بسم الله، كنت مع المشاركات تجربة جميلة 🕊️ اول مشاركة سلمت ورقه كتابة الخطبة ودرجتي 94 ...
الموضوع :
إعلان أسماء الفائزات في المسابقة الدولية الخاصة بحفظ خطبة السيدة زينب(ع)
سعد حامد : كيف ممكن ان نتواصل مع هذه المختبرات اريد عنوان بريدي لو سمحتم ...
الموضوع :
أمانة بغداد تفتتح اربعة مختبرات جديدة لفحص مياه الشرب
حسنين علي حسين : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته م/ تظلم ارجوا التفضل بالنظر الى حالتي ، في يوم السبت المصادف ...
الموضوع :
شكوى إلى مديرية مرور بغداد
فاطمة علي محمد : الابتزاز واحد اخذ صوري الخاصة يهدد بي ايريد مني فلوس 300 اني اريد ايمحسن صوري ...
الموضوع :
هيئة الاتصالات تخصص رقماً للمشتركين للشكوى على شركات الهواتف
حذيفة عباس فرحان : الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان الله يرحمك يا ابوي من ...
الموضوع :
اغتيال مرشح عن كتلة الإصلاح والتنمية في ديالى
علي : مقال رائع . ان الوهابيه والدواعش ينتهزون الفرص لابعاد الناس عن التشيع .بل ويعمدون ولو بالكذب الى ...
الموضوع :
عاشوراء: موسم لاختطاف التشيع
مازن عبد الغني محمد مهدي : بارك الله فيك على الموضوع ولكن هل هناك حاجة فعلية للصورة اخوك فى العقيدة والدين والخلق ...
الموضوع :
اكتشاف سر جديد من أسرار كربلاء..!  
مقداد : السؤال الا تعلم الحكومات المتعاقبه بما يحاك لها من إستعمال اسلحة دمار سامل بواسطة الكيميتريل وما هو ...
الموضوع :
مشروع هارب ... والحرب الخفية على العراق
محمد سعيد : الى الست كاتبة المقال لايهمك هذا المعتوه وأمثاله من سقط المتاع من لاعقي صحون أسيادهم وولاءهم مثل ...
الموضوع :
الى / الدكتور حميد عبد الله..تخاذل؟!
فيسبوك