دراسات

تقسيم العراق ٢/٢


د. إعصار الصفار

 

دويلة سنية في الغرب

هذا الاحتمال اوضح الاحتمالات في ضعف حظوظ تحققه. فالمجتمع في تلك المنطقة مجتمع قَبَلي عشائري تصعب قيادته من إدارة واحدة. من جهة اخرى فان الثروة البشرية ليست متوفرة، اذ يقدر تعداد المحافظات السنية اقل من ٣ ملايين، واذا ضممنا جدلا الموصل لهذه الدويلة، فسيصبح التعداد حوالي ٥ ملايين، وهو ليس بالعدد الكبير قياسا لمساحة تلك المحافظات. كما ان تلك المنطقة لا تمتلك ثروات طبيعية تصلح ان تكون مقوما لدولة. وبالرغم من سماعنا عن اكتشاف مخزونات نفطية في المنطقة، الا ان هذا الامر ليس مؤكدا، وحتى ان كان مؤكدا فلن يثمر في المستقبل القريب. يضاف لذلك ان ليس لهذه المنطقة قوة عسكرية منظمة وموحدة. صحيح ان هناك قوات عشائرية مسلحة وبين الحين والآخر تظهر تشكيلات مسلحة اكبر حجما وافضل تنظيمًا، مثل الصحوات، الا ان هذه ليست متماسكة وسرعان ما تتفكك وتعود الى ولاءات العشيرة. اما إدارة الحكم، فسيعتريها ما يعتريها لقلة الخبرة من جهة والحس العشائري من جهة اخرى. وصحيح ان غالبية الوزراء في عهد صدام ونسبة كبيرة من وزارات ما بعد السقوط هم من السنة، الا ان هذا لا يشكل تجربة متكاملة لإدارة دولة مستقلة.

النقطة الأهم التي قد تدعم إمكانية تشكل مثل هذه الدويلة هي حاجة امريكا وحلفائها الى اسفين يقطع ما اصطُلِحَ عليه بـ "الهلال الشيعي" حتى يتم قطع ايران عن تجهيز ودعم سوريا وحزب الله اللبناني لأسباب معروفة. لكن ايجاد كيان يفتقر للإمكانيات الإدارية والاقتصادية والعسكرية، يجعل من هذا الاحتمال أمرًا غير راجح ومكلِّف للغاية، وبالتالي، فان إنشاء دويلة مستقلة في غرب العراق معادلة سوف لن يكتب لها النجاح.

دويلة شيعية في الوسط والجنوب

دويلة مثل هذه، لها مقومات نجاح ذاتية كبيرة، فثرواتها الطبيعية والمائية كبيرة، وواقعا هي ممول العراق الرئيسي. ويقدر تعداد نفوسها حوالي ١٤ مليون نسمة. يضاف لذلك وجود قوى عسكرية منظمة ومجهزة بشكل جيد ولها خبرات قتالية عالية كان لها الفضل الأساس في دحر داعش في حرب مدن من اصعب ما يكون. الا ان المشكلة التي ستواجه مثل هذه الدويلة، هي الإدارة. فهذه المناطق العراقية كانت مضطهدة لعقود طويلة وتم قمعها بقسوة وشدة فترة حكم صدام، وبالتالي فلم تتوفر لهم فرصة إنشاء مؤسسات حكومية او حكم ذاتي باي شكل كان، ولم تتراكم عندهم الخبرة اللازمة. وحتى بعد السقوط، وان كان المتعارف ان رئاسة الحكومة شيعية، ولكن واقع الحال غير ذلك نتيجة المحاصصة والتدخلات الإقليمية والدولية. وجود المرجعية الدينية وولاء غالبية سكان هذه المناطق لها قد ينجح في سد النقص في الهيكلية التنظيمية لدولة، الا ان المرجعية نفسها لم تتصدَ للقيادة فضلا عن الإدارة، واكتفت بالدور الإرشادي. وهكذا، فلا توجد ضمانات في هذا المجال. وأي ادارات، ان تشكلت، فستتشكل ممن حكم العراق بعد السقوط بكل ما يعتور هؤلاء من ضعف وسوء إدارة.

يبقى هناك أمر غاية في الأهمية وهو هل من مصلحة امريكا وحلفائها في المنطقة تكوين دويلة شيعية تشترك بالحدود لمئات الكيلومترات مع عدوهم اللدود، ايران! السماح بقيام مثل هذا الكيان، سيكون ضد المصالح الامريكية، اذ ان ذلك سيشجع على قيام اتحاد، رسمي او غير رسمي، بين هذا الكيان وايران مما يعزز قوة ايران الاقتصادية والبشرية والاستراتيجية، وهو امر لا تريده امريكا ولن تسمح به مهما كان الثمن.

ومما يزيد الصورة تعقيدا هو تداخل المصالح الاجتماعية والاقتصادية بين هذه المناطق وبعضها، فهل سيتم اجلاء المواطنين كل الى إقليمه بعد تصفية مصالحهم المتداخلة؟ أم السماح لهم بالبقاء لا كمواطنين بل كمقيمين! ونحن هنا نتكلم عن أعداد كبيرة وليس أفرادا. 

يضاف لكل ذلك ان هناك بعض المحافظات ستبقى مشكلة مستعصية مثل بغداد والموصل وديالى وكركوك.

فماذا سيحل ببغداد بسكانها الذين يزيدون عن ٥ ملايين نسمة؟ هل يتم ضمها لأي دويلة، أم يتم تقسيمها؟

وهل سيتم ضم الموصل للدويلة السنية؟ وحتى لو افترضنا مواقفة سكان الموصل بهذا الامر، فهل سيقبل الأكراد بذلك! ام هل ستقبل تركيا، التي كانت وما زالت تحلم بضم الموصل اليها؟ وقد تستغل تركيا الفرصة وتعمد لاحتلالها.

اما كركوك ، فقد تم الكلام عنها.

وماذا عن ديالى بتركيبتها السكانية المعقدة حيث يسكنها عرب واكراد وتركمان، وفيها سنة وشيعة. كل هذا سيشكل تحديات كبيرة يجعل ضمها لأي من الدويلات الثلاث صعبا، ان لم يكن مستحيلا.

وهكذا، فلن يتم حسم امر هذه المدن لهذا الطرف او ذاك وستكون مصدر نزاع له اول وليس له اخر، ليس بين هذه الدويلات فقط، ولكنها ستفتح المجال لتدخلات إقليمية سافرة وواسعة قد تؤدي لاقتطاع اجزاء كبيرة من العراق وإلحاقها بدول اخرى، والذي بحد ذاته سيكون فتيل حروب دولية واسعة تكون امريكا وروسيا، وغالبا دول اخرى، أطرافا مباشرة او غير مباشرة فيها.

وهكذا نرى ان التلويح بخطر تقسيم العراق ليس واقعيا اذ ليس له أساس عملي ولا سياسي، لا على صعيد العراق ولا المنطقة ولا العالم.

وبالتالي، فان تقسيم العراق سوف لن يتحقق، في المستقبل المنظور باقل تقدير.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1408.45
الجنيه المصري 74.52
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1666.67
دينار كويتي 3846.15
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 326.8
ريال سعودي 317.46
ليرة سورية 2.33
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.75
التعليقات
زيد مغير : نفهم من هذا الموضوع أن هناك نية لتبرية المجرم الذي باع الموصل اثيل النجيفي . العيساوي امس ...
الموضوع :
الداخلية: إطلاق سراح مهدي الغراوي بكفالة والقضية ستتابع من قبل المحاكم المدنية
عبد الله : مع الاسف يا شيخ حينما قرأت بداية المقال لفت نظري جراتك على قول كلمة الحق بوجه المرأة ...
الموضوع :
دور المراة في تزييف الحجاب الشرعي
المهدي : المقال جميل سلم يراعي أيها الفاضل حتى الحيوان يعلمنا الحكمة نأخذ منه العبرة ...
الموضوع :
البقرة العطشى  
Nacem : الموضوع وعن علاقة الثورة الاسلامية في ايران مما اثار المجرم فأمر جلاوزته بتعذيب السيد الشهيد تعذيباً قاسياً ...
الموضوع :
من هي  الشهيدة آمنة الصدر بنت الهدى؟!
أمير الخياط : الحمد لله الذي اكحل عيوننا بالنظر إلى إعدام الطاغية اللعين صدام وأعوانه ...
الموضوع :
حقيقة رسالة آية الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر إلی صدام!
هادي محمد حسبن : يبدو من المقطع والتوضيح الرسمي عدة أمور.. منها. من يسمح له بدخول السيارات إلى المدرج وقرب الطائرة.. ...
الموضوع :
توضيح رسمي لتأخر إقلاع طائرة عراقية ساعتين "بسبب عائلة مسؤول"
مازن : معالي لوزير التعليم العالي والبحث العلمي المحترم ملحوظة جنابك الكريم يعلم بان القوانين والانظمة الادارية الخاصة بالجان ...
الموضوع :
هيئة النزاهة تضع الخط الساخن للكشف عن حالات الفساد الاداري والمالي وشكاوى المواطنين
زيد مغير : سألوا المرحوم المقدم ق خ وفي العميدي الذي اعدمه المجرم عدنان خير الله بأمر من الجبان صدام ...
الموضوع :
لمن لا يعرف سلطان هاشم.. وبط.. ولاته  
أبو علي : االشهيدان قاسم سليماني وابو مهدي المهندس قتلا بواسطة طائرة مسيرة إنطلقت من القاعدة الأمريكية في قطر وبعد ...
الموضوع :
ايران: الانتقام المؤلم للشهيد قاسم سليماني ورفاقه لم ينته بعد
عدي محسن الجبوري : ان حالات الاصابة كبيرة الا انه لا توجد مصداقية تامة وشامله في هذا الوباء فسابقا كانت حالات ...
الموضوع :
الصحة: تسجيل 1927 حالة شفاء ووفاة 96 مصاباً واصابة 2553 خلال الـ24 ساعة الماضية
فيسبوك