دراسات

التكليف بلا ترشيح


 دراسة في دستورية تكليف النائب عدنان الزرفي بتشكيل الحكومة في ضوء نصوص الدستور العراقي

 

 أ.د. نبيل مهدي زوين

 

يمثل تكليف النائب عدنان الزرفي بتشكيل الحكومة بناء على المرسوم الجمهوري ذي العدد 11 في 16/3/2020 انعطافة في الأعراف الدستورية التي تحكم العملية السياسية منذ 2003 فقد جرت العادة على تكليف رئيس الجمهورية لمن يترشح من مشاورات الكتل البرلمانية الكبيرة في البرلمان. بعيدا عن التحليل السياسي للتكليف وتداعياته، فإن هذا المقال يستعرض موافقة التكليف لنصوص الدستور كما يتضمن التعليق على قرار المحكمة الاتحادية ذي العدد 29/اتحادية/ 2020 الذي استند إليه التكليف.

بعد تقديم السيد رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي استقالته إلى مجلس النواب بتاريخ 29/11/2019 والذي قبلها بتاريخ 2/12/2019. قامت القوى النيابية بترشيح السيد محمد توفيق علاوي الذي تم تكليفه بموجب المرسوم الجمهوري المرقم 7 في 1/2/2020 وذلك استنادا إلى التواقيع المقدمة من النواب (حسب نص المرسوم)، لكن المكلف اعتذر بتاريخ 2/3/2020. بادرت رئاسة الجمهورية بتاريخ 16/3/2020 بمفاتحة المحكمة الاتحادية بكتابها ذي العدد (799) وتوجيه السؤال الآتي (هل تنتقل صلاحية التكليف انتقلت إلى رئيس الجمهورية بموجب احكام المادة 76/ثالثا من الدستور..). قررت المحكمة الاتحادية ( إن المرحلة التي تلت اعتذار المكلف بتشكيل مجلس الوزراء وفق المادة (76) من الدستور، يكون بعدها الخيار حصريا لرئيس الجمهورية وفق الفقرة (ثالثا) من المادة (76) من الدستور بتكليف مرشحاً جديداً[1] خلال خمسة عشر يوما من تاريخ اعتذار المرشح السابق الدكتور محمد توفيق علاوي وفق مسئوليته الدستورية ليتولى المرشح الجديد بتشكيل[2] الوزارة وعرضها على مجلس النواب خلال مدة اقصاها ثلاثون يوما ). بناء على ذلك صدر المرسوم ذو العدد 11 بتكليف النائب عدنان الزرفي بتشكيل الحكومة.

بعيدا عن الجدل الذي نتج عن المواجهة بين مجلس القضاء الاعلى والمحكمة الاتحادية حول شرعية انعقاد المحكمة على وفق الدستور والقانون، وقبل الخوض في موضوع التكليف ومدى موافقته للدستور، ينبغي الإشارة إلى نقطة مهمة هي أن تفسير المحكمة الاتحادية للنصوص الدستورية وهي الصلاحية التي نصت عليها المادة الدستورية (93/ثانيا) لم ينظمها قانون المحكمة الاتحادية ولا نظامها الداخلي اللذان شرعا قبل نفاذ الدستور العراقي وفي ظل قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي لم ينص على هذه الصلاحية ضمن صلاحيات المحكمة الاتحادية، ورغم أن نص المادة (93/ثانيا) لا يحتاج إلى تشريع قانون لمباشرة هذه الصلاحية فإن النظام الداخلي للمحكمة لم يجز أن تنعقد المحكمة الاتحادية لممارسة صلاحيتها إلا بناء على دعوى مقامة أمامها أو للنظر في طلب من محكمة أخرى متعلق بدعوى وهذا واضح من نص المواد (3-6) من النظام الداخلي للمحكمة [3]. من هنا نستطيع القول أن المحكمة قد خالفت نظامها الداخلي في آلية إصدار القرار (29/اتحادية /2020). من هنا نعتقد أن مخالفة النظام الداخلي للمحكمة تجعل من القرار المذكور باطلا لعدم انعقاد الجلسة بصورة قانونية حيث كان ينبغي للمحكمة توجيه رئاسة الجمهورية بضرورة إقامة دعوى ضد الكتل التي تدعي عدم انفراد رئيس الجمهورية بتعيين المكلف بتشكيل مجلس الوزراء.

وإذا انتقلنا إلى موضوع القرار وجدنا القرار يفتقر إلى الأساس الدستوري من خلال نظرة فاحصة للمادة (76/ثالثا) من الدستور التي استند عليها القرار والتي تنص (يُكلف رئيس الجمهورية، مرشحاً جديداً لرئاسة مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوماً، عند إخفاق رئيس مجلس الوزراء المكلف في تشكيل الوزارة، خلال المدة المنصوص عليها في البند (ثانياً) من هذه المادة.) إننا نتفق تماما مع وجهة نظر السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى التي تعتمد على تفسير كلمة مرشح بأنه شخص ناتج عن ترشيح جهة ما وبالتالي فإن رئيس الجمهورية ليس حرا في اختيار شخصية المكلف. وما دام المكلف ينبغي أن يكون مرشحا فلا جهة أحق من الكتلة البرلمانية الأكثر عددا بترشيح المكلف. ولعل ما يدعم هذا التوجه هو نص المادة (81 أولا وثانيا). قضت المادة (81/أولا) بأن يقوم رئيس الجمهورية مقام رئيس مجلس الوزراء عند خلو منصبه. أما المادة (81/ثانيا) فنصت على أنه (عند تحقق الحالة المنصوص عليها في البند (أولاً) من هذه المادة، يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشحٍ آخر بتشكيل الوزارة، خلال مدةٍ لا تزيد على خمسة عشر يوماً، ووفقاً لأحكام المادة (76) من هذا الدستور) يظهر جليا من نص المادة (81/ثانيا) ان الدستور استعمل مصطلح (مرشح آخر) للدلالة على المرشح الذي ينبثق من تطبيق نص المادة (76) من الدستور من خلال ترشيح الكتلة البرلمانية الأكثر عددا دون ان تنصرف نية واضعي الدستور إلى انفراد السيد رئيس الجمهورية باختيار المكلف. والأهم من هذا أن واحدة من أسس النظام البرلماني أن تكون السلطة التنفيذية منبثقة من السلطة التشريعية، فلا يجوز لرئيس الجمهورية وهو ضمن السلطة التنفيذية أن يلغي دور البرلمان في ترشيح رئيس الوزراء ومنحه الثقة. بقي أمر واحد ينبغي أن نوضحه وهو الرد على الإشكالية التي تقول أنه لا ضير من تكليف شخص آخر ما دام الأمر في النهاية يعود إلى البرلمان الذي هو من يمنح الثقة للحكومة. للرد على هذا نقول أن النصوص الدستورية تفرق بين ترشيح المكلف وبين منح حكومته الثقة، فالترشيح يكون حصرا من صلاحية الكتلة الأكثر عددا في البرلمان في حين أن منح الثقة هو من صلاحية البرلمان وبين الأمرين فرق واضح.

[1] الأصح تكليف مرشح جديد لأن كلمة مرشح مضاف إليه وكلمة جديد صفة لمجرور.

[2] الأصح تشكيل الحكومة لأن الفعل يتولى ليس فعلا لازما.

[3]  من وجهة نظرنا ينطبق هذا الأمر على كل القرارات التي أصدرتها المحكمة دون أن تكون ضمن دعوى معروضة أمامها او بصدد الرد على محكمة أخرى تنظر دعوى تحتاج إلى النظر في شرعية قانون معين.

ـــــــــــــــ

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1315.79
الجنيه المصري 74.91
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1666.67
دينار كويتي 3846.15
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 325.73
ريال سعودي 315.46
ليرة سورية 2.31
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.74
التعليقات
ابو نور الفاضلي : جزاكم الله خيرا رزقنا الله واياكم ولايتها في الدنيا و شفاعته في الاخرة بحق محمد وآل محمد ...
الموضوع :
سيده في ذمة الخلود  
ضياء حسين عوني محمد : بسم الله الرحمن الرحيم اني مواليد ١٩٥٩ طبيب بيطري استشاري تمت احالتنا للتقاعد بموجب التعديل الاول لقانون ...
الموضوع :
مجلس الوزراء : موقع الكتروني لإستقبال الشكاوى وتقديم التعيينات
محمد عباس : يثير قلقي هذا الاطراء على مصطفى الكاظمي فكيف ترضى امريكا على شخص ما لم تكن تعرفه جيدا ...
الموضوع :
بومبيو يهاتف الكاظمي: واشنطن ستمضي باعفاء العراق من استيراد الطاقة الايرانية 120 يوما
محمد عباس : يثير قلقي هذا الاطراء على مصطفى الكاظمي فكيف ترضى بريطانيا على شخص ما لم تكن تعرفه جيدا ...
الموضوع :
بريطانيا: نتطلع للعمل مع حكومة مصطفى الكاظمي
محمد عباس : يثير قلقي هذا الاطراء على مصطفى الكاظمي فكيف ترضى امريكا على شخص ما لم تكن تعرفه جيدا ...
الموضوع :
المبعوث الأميركي السابق للتحالف الدولي ضد "داعش : أتمنى لصديقي مصطفى الكاظمي التوفيق في دوره الجديد كرئيس وزراء العراق"
زيدمغير : إعدام المجرمين المحكومين في السجون هو ضربة لداعش المدعوم صهيونيا وعربيا . متى يوقع رئيس الجمهورية قرارات ...
الموضوع :
اهداف ومدلولات الهجمات الارهابية على صلاح الدين
Nagham alnaser : احسنت على هذا المقال الي يصعد معنوياتنا من كثرة الاشاعات ...
الموضوع :
هل توجد معطيات ميدانية لانهيار الدولة العراقية بحجة عدم تمرير المُكلَّف؟!  
مرتضى : هية ماخلصت الموجة الاولى بعد .. الله اليستر على بلاد المسلمين كافة.. اللهم انت ملجأنا الوحيد من ...
الموضوع :
الصحة العالمية تحذر من موجة ثانية "لا مفر منها" لجائحة كورونا
فيسبوك