المقالات

مخاطر التفكير في العراق


اسعد عبدالله عبد علي assad_assa@ymail.com

 

عندما كنت في اعدادية بورسعيد الواقعة في بداية التسعينات, في زمن الخوف والقلق, زمن تضخم صدام وحاشيته, وتضاعف الضغوط على المجتمع, نتيجة سطوة النظام والحصار الدولي المفروض على الفقراء ومحدودي الدخل حصرا, في ذلك الزمن اكتشفت هواية يمارسها بعض الناس مع انها متعبة, الا وهي التفكير, فالناس صنفان: صنف لا يفكر بل يتم تلقينه, وهو سعيد بان هناك من يفكر عنه! وتجده فرح بحياته البسيطة التي تفتقر للتفكير, وصنف اخر يفكر ويرفض التلقين وتوريث الافكار, وهذا الصنف لم يجد الراحة لا في زمن الطاغية صدام ولا في زمن الديمقراطية, وذلك لمسيرة الامور بشكل اعوج بالغالب.

في هذا الزمن دوما امارس هوايتي في التفكير, مع انها لا تجلب إلا المتاعب, وأحيانا التهديد بالقتل! لكن اصبحت جزء من ذاتي, قل انه ادمان.

كعادتي كل صباح الذهاب لمقهى الملتقى الثقافي في باب المعظم لشرب الشاي, وما ان وصل الشاي غرقت في التفكير, وإذا بصوت اعرفه جيدا يبدد صمتي, انه صديقي ابو نجم يباغتني ويقطع حبل افكاري, جلس وطلبت له شاي, وسألني:

- بماذا تفكر؟ كأنك في عالم بعيد!

امسكت باستكان الشاي لارتشف رشفه ثم التفت الى ابو نجم وقلت له:

- افكر باللصوص الكبار وأتساءل: بعد كل هذا النهب والتبديد لأموال العراق ومازالوا ملتزمين بمنهج السرقة, فمتى يشبعون؟

ضحك ابو نجم وقال لي:

- يا صديقي ان العاهرة لا تشبع من ممارسة الجنس, هكذا تعودت, كذلك السياسي لا يكتفي من السرقة, بل يبقى مستمرا بالسرقة الى اخر يوم في حياته.

اعجبتني فكرة ابو نجم لكن كان لي ملاحظة عليها, فقلت له:

- كلامك دقيق جدا, كلاهما من اقذر اصناف البشر, فاللصوص الكبار يمكن تشبيههم بالعاهرة, لكن هنالك فارق يجب توضيحه, وهو: ان العاهرة اشرف من الساسة الكبار لأنها تكسب من كد فرجها, اي تقدم خدمة مقابل المال, اما اللصوص الكبار فهم يكسبون من لا شيء, فمفاتيح الخزينة بيدهم! فتخيل معي مقدار الاجحاف بحق العراق في ان يكون حماة الخزينة لصوص!

صمت قليلا ابو نجم واهتممنا معا في اكمال شرب الشاي, ثم قال لي:

- انا دوما اتعجب من افعال جمهور واسع من مجتمعنا, يا ترى لماذا البعض يتبع اللصوص الكبار! مع ان رائحتهم النتنة وصلت للمكسيك وجزر القمر وغواتيمالا؟ وكما عبر اللبنانيون عن ساستهم الفاسدين بحملة " طلعت ريحتهم", فرائحة اللصوص الكبار ونتانتها لا يمكن اخفائها اليوم.

التفتت الى ابو نجم بعد انتهاء استكان الشاي تماما وقلت له:

- يا عزيزي ابو نجم ان الامر مرتبط بتصنيف الناس الى ناس تفكر وناس لا تفكر, لذلك لليوم تجد هؤلاء الذين لا يفكرون يدافعون بكل جهد وصلابة عن اللصوص الكبار, بل ويخلطون الامر بالقدسية والدين وحرمة الغيبة, فلا اعلم من اين جاءت الحصانة الدينية للص عفن وقذر.

اتجه ابو نجم الى ركن المقهى حيث يجلس جمع من العواجيز وأكملت شرب الشاي وهممت بالمغادرة, فصاح بي ابو نجم:

- لا تتعب نفسك بكثرة التفكير باللصوص الكبار فقد يتهموك بالكفر او الزندقة, بل فكر باتحاد الكرة وسعيه الحثيث لتدمير المنتخب العراقي, فكر بلصوص الكرة, او فكر بمسلسلات قاسم الملاك السخيفة والعنها, او انتقد الغناء العراقي وتحوله الى غناء ايحائي جنسي, فهذه منطقة التفكير المباحة, التي لا تخالطها خطوط حمراء وتوج الراس والقدسية.

ضحكنا وضحك كل من في المقهى, واشرت له بيدي تعبيرا على الموافقة, نعم من المؤلم ان يكون كلام ابو نجم دقيقا, فالنقد اذا اقترب من اللصوص الكبار يعتبر جريمة قانونية ودينية وعشائرية! او كفرا وزندقة, عندها يصبح الدم مستباحا! هذا كله يجري في بلد يقال عنه حر وديمقراطي ويدعم الحريات ومنها النقد!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1694.92
الجنيه المصري 92.94
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.96
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 401.61
ريال سعودي 389.11
ليرة سورية 1.16
دولار امريكي 1470.59
ريال يمني 5.84
التعليقات
رسول حسن نجم : في مثل هذه الحاله يتوجب على التيار الصدري التحالف مع الشيعه لكي لايضيعوا مكونهم بين باقي الكتل ...
الموضوع :
مصدر مطلع : التيار الصدري غص بما فعل اكثر ما انشرح به من نتائج الانتخابات التي جرت قبل ستة ايام
رسول حسن نجم : هذا هو ديدن البعثيين والوهابيين فهم يعولون على امريكا في القضاء على الشيعه وتنامي قدراتهم العسكريه لانهم ...
الموضوع :
بالفيديو .... هذا ما يفكر به اعدائنا لحل الحشد الشعبي
رسول حسن نجم : عندما صدق الجاهل انه اصبح عالما من خلال عمليه تسمى سياسيه وهي لاتمت للسياسه بصله ارتقى المنبر ...
الموضوع :
من هو الحارس ومن هو الوزير ؟!
ابو حسن : احسنت وصدقت بكل حرف والله لولا الحشد المقدس لما بقي العراق ...
الموضوع :
لهذا يبغضون الحشد..!
زين الدين : هل يجوز التعامل بما يسمى بالهامش او الرافعة المالية في اسواق العملات الرقمية بحيث تقرضك شركة التعاملات ...
الموضوع :
إستفتاءات... للمرجع الأعلى السيد السيستاني حول شراء وبيع الاسهم
محمد صالح حاتم : شكرا جزيلا لكم ...
الموضوع :
اليمن/ عذرا ً ثورة اكتوبر..!
محمد ابو علي عساکره الكعبي : مادور الكعبيين في نصرة الإمام الحسين ع شكرا ...
الموضوع :
ابناء العشائر الذين نصروا الإمام الحسين عليه السلام
رسول حسن نجم : بلى والله ليس الى بعض الكتل بل الى كلهم فتبا لهم الى ماقدمت ايديهم... واليوم يتباكون على ...
الموضوع :
الى بعض الكتل الشيعية!
رسول حسن نجم : كاننا كنا نعيش في رفاهية من العيش وليس لدينا عاطلين منذ٢٠٠٣ وليس لدينا ارامل وايتام ولايوجد في ...
الموضوع :
أيها الشعب..!
رسول حسن نجم : اولا بيان المرجعيه صدر بناءا على سؤال توجه للمكتب ولو لم يوجه هذا السؤال لم يصدر البيان!..... ...
الموضوع :
قال لهم مرجعهم اذبحوا بقرة..قالو إن البقر تشابه علينا..!
فيسبوك