المقالات

المواطنة..!


  محمد عبد الجبار الشبوط ||   المواطنة من المفاهيم الجديدة المرتبطة بالدولة الحضارية الحديثة. وخلاصتها ارتباط الافراد بالدولة، ذات السيادة على اقليم محدد هو الوطن، على قدم المساواة بالحقوق والواجبات والمركز القانوني، بغض النظر عن الدين والمذهب والقومية واللغة والانتماء السياسي او الحزبي. ولم يكن معمولا بهذا المبدأ في الدول التي سبقت ظهور الدولة الحديثة، مثل الدولة الاسلامية منذ دولة المدينة التي اقامها الرسول محمد حتى الغاء الخلافة العثمانية في عام ١٩٢٤. فقد كان الارتباط بالدولة لا يتم على اساس الانتماء الى الوطن المعرّف جغرافيا بحدوده الدولية، وانما على اساس انتمائه الى دين الدولة. فالمسلم هو المواطن في الدولة الاسلامية، اما رعايا الدولة الاخرون من غير المسلمين فهم "اهل الذمة" الذين عليهم ان يدفعوا الجزية ولا يتمتعون بنفس الاهلية القانونية التي يتمتع بها المسلم. صحيح ان بعض اهل الذمة وصلوا الى مراتب معينة قريبة من مؤسسة الخلافة في عصورها الثلاثة، الاموي والعباسي والعثماني، الا ان هذه حالات فردية تشكل استثناءً من القاعدة. ولكن بعد سقوط الدولة العثمانية وقيام الدول القطرية الكثيرة في العالم الاسلامية على نموذج الدول الاوروبية الحديثة، لم يعد بالامكان الاخذ بالفكرة القديمة عن "المواطنة" او بتعبير ادق "الرعايا"، وصار من الواجب معاملة جميع الافراد على قدم المساواة بغض النظر عن الدين او المذهب. وهذا هو المبدأ الدستوري الذي تأخذ به الدولة الحضارية الحديثة في اي بلد ذي حدود دولية معترف بها، تقوم فيه، ومن بينها العراق. فالافراد في هذه الدولة مواطنون بدرجة واحدة وعلى قدم المساواة بدون تمييز في الحقوق والواجبات على اساس الدين او المذهب او القومية او اللغة او المنطقة او العشيرة او الحزب، او اي اعتبار اخر غير الانتماء للوطن العراقي والدولة العراقية، الحضارية الحديثة. وهذا ما يجب ان ينص عليه الدستور بصورة صريحة وواضحة وحاسمة تمنع الانحراف او اساءة التطبيق والتجاوز على مبدأ المواطنة.  يتالف الشعب في الدولة الحضارية الحديثة من مواطنين احرار متساوين يجمعهم نظام عادل للتعاون والعيش المشترك. يتالف الشعب من حملة جنسية الدولة والمقيمين فيها بصورة قانونية، وعابري السبيل. يتالف الشعب في الدولة الحضارية الحديثة من مواطنين وليس من مكونات. الهوية الطبيعية هي الجامع الاساسي لافراد الشعب. اما الهويات الاجتماعية الفرعية فتحظى بالاحترام والرعاية وما يترتب على ذلك من حقوق. تقوم العلاقة بين الشعب والدولة في د ح ح على اساس: الانتماء للوطن، و الولاء للدولة، ومنظومة الحقوق والواجبات المتبادلة بين المواطنين والدولة. والمواطنة في د ح ح ليست عرقية او عنصرية او دينية انما هي حق قانوني قابل للاكتساب اذا توفرت شروط قانونية معينة في الانسان المقيم في اقليم الدولة.  غني عن البيان ان مبدأ المحاصصة المطبق في العراق الان يتعارض مع مبدأ المواطنة. وبحجة التوافق والتوازن الوطني والاستحقاق الانتخابي تم منح او تقييد الحقوق والواجبات وتقاسم السلطات على اساس الانتماءات الطائفية والعرقية. واصبحت علاقة المواطن بالدولة غير مباشرة، وانما تتم عبر انتمائه الى منظومة فرعية من طائفة او قومية وحتى حزبية. وهذا ما ظهر من خلال تقاسم الوزارات على اساس قومي وطائفي وحزبي، ثم نزلت هذه الالية الى الدرجات الوظيفية الادنى من وكيل وزارة الى فما دون. ويمثل هذا انحرافا خطيرا وابتعادا كبيرا عن فكرة ونموذج الدولة الحضارية الحديثة التي تعتمد مبدأ "المواطنة اساس والكفاءة مقياس" الذي استبدل بمبدأ "الانتماء والولاء": الانتماء للطائفة والقومية والحزب، والولاء لرئيس الحزب. ودعوتنا الى الدولة الحضارية الحديثة تتضمن احياء مبدأ المواطنة بمفهومه الحديث والعمل به.    ٩ كانون الاول ٢٠٢١
اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
زياد مصطفى خالد : احسنت تحليل واقعي ...
الموضوع :
مسرحية ترامب مع زيلنسكي والهدف الامريكي !!
ابو حسنين : انظرو للصوره بتمعن للبطل الدكتور المجاهد والصادق جالس امام سيد الحكمه والمعرفه السيد علي السستاني بكل تواضع ...
الموضوع :
المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني يستقبل الطبيب محمد طاهر أبو رغيف
قتيبة عبد الرسول عبد الدايم الطائي : السلام عليكم اود ان اشكركم اولا على هذا المقال واستذكاركم لشخصيات فذة دفعت حياتها ثمنا لمبادئها التي ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
م خالد الطائي : السلام عليكم, شكرا لصاحب المقال, عمي مالك عبد الدايم الطائي: خريج 1970م، تخرج من كلية العلوم بغداد ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
ام زهراء : مأجورين باىك الله فيكم ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
علاء عبد الرزاق الانصاري : الاهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك