في لحظات التحوّل الكبرى لا تُقاس السياسة بالأسماء بقدر ما تُقاس بالاتجاهات.
ترشيح الإطار التنسيقي لشخصية السيد نوري المالكي لولاية ثالثة أعاد فتح ملف العلاقة بين القرار العراقي المستقل والمواقف الدولية ، ولا سيما الأميركية ، حيث تتداول الأوساط السياسية مواقف متشددة منسوبة للإدارة الأميركية تجاه هذا الترشيح .
هنا لا بد من التوقف بهدوء أمام المشهد ، بعيداً عن الانفعال أو الاصطفاف العاطفي .
أولاً : من المهم التأكيد أن العملية السياسية في العراق نابعة من الداخل ، وتستند إلى معادلة ديموغرافية ودستورية واضحة .
أي محاولة لاختزال إرادة الأغلبية أو ربط شرعية الحكم برضا الخارج تمثّل إشكالية سيادية قبل أن تكون سياسية .
الحاكمية عندما تُفهم بوصفها تمثيلاً للأغلبية وحفظاً للتوازن الوطني لا تتناقض مع الانفتاح الدولي ، بل تنظّم العلاقة معه من موقع الندّية لا التبعية .
ثانياً : الموقف الأميركي – سواء كان تصريحاً مباشراً أو رسالة ضغط غير معلنة – لا يمكن قراءته كفيتو نهائي .
السياسة الأميركية براغماتية بطبعها ، تتبدّل بتبدّل المصالح .
ما يُقال في لحظة تفاوض قد يُعاد صياغته لاحقاً ضمن تفاهمات أوسع ، خصوصاً إذا ما قدّم العراق رؤية مستقرة ، وحكومة قادرة على إدارة الأمن والاقتصاد والعلاقات الخارجية بعقل الدولة لا عقل الصراع .
أما من جهة الحلول ، فالمسار الأكثر واقعية يتمثّل في ثلاثة اتجاهات متوازية :
الأول : تحصين القرار الداخلي عبر خطاب وطني جامع ، يؤكد أن اختيار القيادة شأن دستوري لا يُدار بالإملاءات.
الثاني : طمأنة الخارج من خلال برنامج حكومي واضح يركّز على الاستقرار محاربة الفساد وتنظيم العلاقات الدولية على أساس المصالح المشتركة.
الثالث : الفصل الذكي بين الأشخاص والمشروع فالدفاع عن حق الأغلبية في الحكم لا يعني الإصرار على تحويل أي اسم إلى معركة كسر عظم .
في الأيام القادمة من المرجّح أن نشهد تصعيداً إعلامياً يقابله هدوء تفاوضي خلف الكواليس .
السياسة لا تُدار بالضجيج بل بالوقت والنَفَس الطويل . والعراق إذا أحسن إدارة هذه اللحظة ، قادر على تحويل التوتر إلى فرصة لإعادة تثبيت معادلة قرار وطني ، انفتاح متوازن وحاكمية تحكم ولا تُستَخدم .
https://telegram.me/buratha

