التقارير

ماذا بعد اغتيال نائب القنصل التركي في اربيل؟


عادل الجبوري

 

   رغم أن الدبلوماسي التركي الذي اغتيل في السابع عشر من شهر تموز - يوليو الجاري في أحد المطاعم بمدينة اربيل الكردية، لم يكن معروفًا، ولم يكن يشغل موقعًا مهمًا وحساسًا، الا أن الرسالة التي انطوت عليها عملية الاغتيال من حيث المكان والزمان، وخلفيات الحدث، ومن ثم تداعياته وتبعاته، كانت دقيقة وعميقة ومحسوبة.

   لم يكن أحد يعرف عثمان كوسه، الا عدد قليل من العاملين معه، وأصدقاؤه وأقاربه، وحتى بعد اغتياله مع اثنين من مرافقيه في مطعم، كان من الصعب جدًا أن تعثر له على صورة في الفضاء الالكتروني، أو تجد له نشاطًا بارزًا ما، تداولته وسيلة اعلامية معينة، مع ذلك فإن اغتياله المفاجيء، مثل حدثًا كبيرًا، وأربك الأوضاع، وفتح الباب واسعًا على مصراعيه لمختلف التفسيرات والتأويلات والتحليلات والاستنتاجات.  

   صحيح أن حكومة اقليم كردستان، قد أعلنت عبر بيان رسمي للمتحدث باسمها، في العشرين من الشهر الجاري، نجاح قوات الامن الكردية (الاسايش)، القاء القبض على أحد المتورطين بعملية الاغتيال، الا أن ذلك لم يغير في صورة الواقع المرتبكة والقلقة شيئًا، لا سيما وأن الجهات المعنية في الاقليم لم تفصح عن أية معلومات تتعلق بهوية الشخص الذي اعتقلته، وطبيعة ارتباطاته ودوافعه - اذا كان هو بالفعل من الضالعين بعملية الاغتيال - حتى ترجيح أحد الاحتمالات على سواها عند البحث والتقصي للوصول الى الحقيقة، وما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج ومعطيات.     

   ولأول وهلة، طرحت فرضيتين، الأولى ذهبت الى أن عملية اغتيال نائب القنصل التركي، تعكس جانبًا من صراعات مراكز القوى السياسية في اقليم كردستان.

التوصل الى خيوط عملية الاغتيال لا يمثل نهاية المطاف

   وفي هذا الاطار، اذا سلًمنا بتلك الفرضية، فهناك احتمالين، الأول يقول بأن أطرافًا كردية لم ترق لها الصيغة التي افضت لها المفاوضات الماراثونية بين الفرقاء الاكراد، المتمثلة بأستحواذ الحزب الديمقراطي الكردستاني على حصة الاسد في المواقع العليا، مثل رئاسة الاقليم ورئاسة الحكومة وعدد من الحقائق الوزارية والهيئات والمفاصل السياسية والامنية والاقتصادية، وترضية الاتحاد الوطني الكردستاني بعدد من المواقع والمناصب، ليكون شريكا رئيسيا للديمقراطي في ادارة دفة الامور بالاقليم.

  ولأن تلك الأطراف لا تمتلك أدوات القوة والنفوذ والتأثير السياسي الفعلي، فإنها لجأت الى الأساليب والأدوات الأخرى لإرباك الأوضاع مع الأيام الأولى من عمر الحكومة الجديدة.

   وحتى الآن لم ترشح أية مؤشرات أو دلائل ومعطيات تعزز الاحتمال الآنف الذكر.

   أما الاحتمال الثاني، فيقول، بأن التنافس المحموم في شتى المفاصل والعناوين بين مراكز القوى داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتحديدًا بين نيجرفان البارزاني، صهر زعيم الحزب ونجل شقيقه ادريس الذي توفي عام 1987 بشكل مفاجيء، وبين مسرور البارزاني نجل الزعيم، أخذ مديات واسعة، خصوصًا في ظل الترتيبات والتقسيمات الجديدة، اذ تتحدث اوساط كردية مطلعة انه بينما كان من المؤمل والمتوقع ان تنحسر الخلافات والاختلافات بين نيجرفان ومسرور بعد تسنم الاول منصب رئيس الاقليم والثاني منصب رئيس الحكومة، الا ان الاشارات الاولية من داخل الكواليس تؤكد العكس، في ظل رغبة رئيس الاقليم وضع اليد على الملف الامني، واصرار الثاني على الاحتفاظ به، بعد ان كان لبضعة اعوام يشغل منصب مستشار امن الاقليم، الذي تنظوي تحته كل المفاصل والمؤسسات الامنية.

   ويبدو مثل هذا الاحتمال ضعيفًا ولا يصمد أمام حسابات المصالح والواقعيات السياسية، لأنه مهما كانت الخلافات والتقاطعات عميقة وكبيرة، فإنه ليس من مصلحة أي من الطرفين ارباك الأوضاع وخلط الأوراق، مع بداية مرحلة جديدة، يظهر جليًا أن كلاهما يعد رابحا فيهما، ولاشك أن من يشعر بأن منافسه استحوذ على بعض من مساحات نفوذه، فهو لا يحتاج للجوء الى الخيارات الخطيرة التي تعود بالضرر على الجميع، خصوصًا أنه يمتلك كل الأدوات التي تتيح له ادارة الصراع وتحقيق المكاسب بهدوء وتروي وصبر.

   أما الفرضية الثانية، وهي الأرجح والأكثر قبولًا وانطباقًا مع الواقع، فتتمثل في أن حزب العمال الكردستاني التركي المعارض(P.K.K)، يقف وراء تنفيذ عملية الاغتيال.

   وما يعزز تلك الفرضية، جملة من الحقائق والمؤشرات العامة، من قبيل العداء والصراع المتواصل بين الحكومة التركية وحزب العمال، الذي يمتلك وجودًا عسكريًا وتنظيميًا يعتد به في اقليم كردستان، ومن قبيل اقدام حزب العمال على الثأر والانتقام لمقتل ديار قرداغي أحد كبار القادة الميدانيين في الحزب من قبل عناصر جهاز المخابرات التركية (ميت)، مطلع شهر تموز- يوليو الجاري.

ولا يعني نفي حزب العمال ضلوعه بعملية الاغتيال، أنه بالفعل، غير متورط، لأن نفيه قد يكون مجرد تكتيك أراد من ورائه خلط الأوراق، وخلق أزمة بين الحكومة التركية والحزب الديمقراطي الكردستاني، وبلورة انطباع عام، مفاده أن الأخير غير قادر على ضبط الأوضاع الأمنية في الاقليم بالشكل الصحيح.

   في كل الأحوال، فإن عملية الاغتيال انعكست سلبًا على الحكومة الكردية، وبالتحديد على الطرف القوي والمؤثر فيها، ألا وهو حزب البارزاني. ولعل إقدام السلطات التركية على اعتقال سياح من أكراد العراق في مدينة طرابزون التركية، بعد رفعهم علم الاقليم، يعبر عن جانب من طبيعة ردة فعل أنقرة على اغتيال كوسة، ناهيك عن دخول الأجهزة الاستخباراتية التركية بقوة، وتوليها ملف التحقيقات بشأن الحادث، وتهميش أجهزة الأمن الكردية - مثلما تؤكد ذلك مصادر كردية قريبة من تفاعلات الأحداث خلف الكواليس - وهو ما يؤشر الى أن أنقرة ستتجه الى تعزيز وجودها الاستخباراتي في اربيل وعموم كردستان، الى جانب وجودها العسكري. الأمر الذي من شأنه خلق ردود فعل سلبية لدى الرأي العام العراقي بمختلف تلويناته وعناوينه واتجاهاته.

   ولا شك أن التوصل الى خيوط عملية الاغتيال، لا يمثل نهاية المطاف، باعتبار أن مثل تلك الحوادث، لا بد أن تفرز مواقف وتنتج حقائق، ربما لا تكون سارّة ومريحة لأكثر من طرف من الأطراف المعنية بذلك الملف، لا سيما من وقعت عملية الاغتيال في مسرح نفوذه وهيمنته وسطوته، وعلى مرمى حجر من مؤسساته الأمنية والسياسية، وفي وسط جمهوره ونخبه.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1315.79
الجنيه المصري 73.8
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1694.92
دينار كويتي 4000
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 327.87
ريال سعودي 318.47
ليرة سورية 2.32
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.77
التعليقات
قحطان عبد سلمان : السلام عليكم اني خريج منذ 2003 بكلوريوس تعليم تكنلوجي/قسم الهندسه الميكانيكيه ورب اسره مكونه من 7 اشخاص ...
الموضوع :
دائرة شؤون المواطنين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تستقبل شكاوى المواطنين عبر موقعها الإلكتروني
احمد : عدلو رواتب الموظفين وخاصتا موظفين الصناعة والمعادن ...
الموضوع :
تعرّف على ما سيتقاضاه النواب والرئاسات وفقا لقانون إلغاء الامتيازات
علي الجبوري : احسنت استاذ وضعت يدك على الجرح النازف استمر رجاءا ...
الموضوع :
تهديم الدولة بجيوش الكترونية - الحلقة الاولى
علي عبدالله عبدالامير : أنا ابن الشهيد عبدالله عبدالامير شهيد المقابر الجماعيه وأنا اقدم ع وظيفه وماكو وماخليت مكان ماقدمت بي ...
الموضوع :
دائرة شؤون المواطنين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تستقبل شكاوى المواطنين عبر موقعها الإلكتروني
almaliky1990 : عندي مجموعة من الاسئلة اريد طرحها على سماحة الشيخ الصغير اعزه الله تتعلق بالشأن المهدوي فهل هناك ...
الموضوع :
بالفيديو .... الاسرائليون يعتبرون الامام المفدى السيد علي السيستاني بالعدو الخفي او الشبح
محمد : أفضل حل اعلان حكومة طوارئ برئاسة السيد عادل عبد المهدي مده 6 سنوات تجمد الدستور وتكتب دستور ...
الموضوع :
رسالة الى السيد عادل عبد المهدي
فاطمة خالد جواد : يسقط محمد بن سلمان وأبوه الفاسق الفاجر اليهود ي عبيد نتنياهو الدجال ويسقط الطغاة وتحيا دماء الشهداء ...
الموضوع :
نصح بن سلمان فمات في سجون السعودية !
أبو علي القره غولي : أحسنتم وفقكم الله تعالى أرى أننا اليوم قد مررنا بمحطة واحدة من محطات الإبتلاء والغربلة والتمحيص، ولابد ...
الموضوع :
(هل تكون قناة الشرقية اليهودية ملهمة الحراك في العراق)
رعد الموسوي : اخواني رجاءا توضيح ،،من هم الحواسم ؟ وهل هؤلاء خطرين ؟ انا اعيش في الخارج واحد الاخوان ...
الموضوع :
‏عبد الكريم خلف يعاتب أبناء الوسط والجنوب لمشاركتهم في حملة ضده ويؤكد: لن نسمح للحواسم بالعودة!
علي الجبوري : اروحنا فداء للسيد السيستاني هبة الله لاهل العراق في زمن عز فيه الناصر والمعين وكثر فيه العدو ...
الموضوع :
المرجعية ومعركة سرقة الفوضى !
فيسبوك