التقارير

ما بعد الانتخابات العراقيّة..الخيارات الممكنة لتجنّب الأنفاق المظلمة


 

عادل الجبوري ||

 

التصريحات التي صدرت عن بعض قادة قوى الإطار التنسيقي، غابت عنها إلى حد كبير مؤشرات وملامح القبول بواقع الأرقام والنتائج الانتخابية المعلنة.

مرّ حوالى شهر على إجراء الانتخابات البرلمانية العراقية، وما زالت الأمور تدور في حلقة مفرغة، في ظلِّ موجة الرفض والتحفّظ والاعتراض والاحتجاج السياسيّ والجماهيريّ على النتائج النهائيَّة التي أعلنتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بعد أيام قلائل.

وبدلاً من أن تفضي عمليات العدّ والفرز اليدويّ لمئات المحطّات الانتخابية إلى تهدئة الأجواء والاقتراب من إنهاء الأزمة، راحت مظاهر الرفض والاحتجاج تتزايد وتتّسع. ومع تزايدها واتّساعها، أخذ الغموض يلفّ المشهد السياسيّ العام.

وكان متوقعاً أن تساهم عمليات العد والفرز الإلكتروني بتسريع إعلان النتائج، خلافاً لكلِّ الانتخابات السابقة، وبالتالي اختزال الفترة الزمنية لإنجاز استحقاقات ما بعد الانتخابات، من قبيل مصادقة المحكمة الاتحادية على النتائج، ومن ثم دعوة رئيس الجمهورية البرلمان الجديد للانعقاد، ليصار إلى انتخاب هيئة رئاسة البرلمان ورئيس جديد للجمهورية، ليتولى الأخير تكليف مرشح الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة الجديدة خلال 30 يوماً من تأريخ التكليف، بيد أن نتائج الانتخابات الصادمة أربكت كلّ الحسابات، وبددت مختلف التوقعات، فمرور شهر على إجراء الانتخابات من دون التقدم خطوة واحدة إلى الإمام، يؤشر إلى قدر كبير من التعقيد والغموض، ناهيك بالقلق من أسوأ الخيارات والاحتمالات.

مفوضية الانتخابات تؤكد أنها تعتمد السياقات والآليات القانونية في التعاطي مع الاعتراضات والشكاوى. بعبارة أخرى، هي تريد القول إنها غير معنية بحراك الشارع، باعتباره ينطوي على أبعاد سياسية لا يمكن إسقاطها وفرضها على عملها المهني، بما يمكن أن يؤدي إلى تغيير النتائج أو تعديلها بالشكل الذي يرضي الأطراف المعترضة عليها.

وبعد أكثر من أسبوعين على التظاهرات والاعتصامات السلمية أمام المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد، وفي محافظات أخرى، أعلنت اللجنة التحضيرية للتظاهرات والاعتصامات، الرافضة لنتائج الانتخابات، في آخر بيان لها صدر قبل عدة أيام، لجوءها إلى مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية، قائلةً في بيان لها بهذا الخصوص: "لأن المفوضيةَ بأدائها المؤسف هذا فقدت حياديتها وأمانتها في أداء دورها المطلوب منها قانونياً وأخلاقياً، فإننا نطالب مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية الموقرة بالتدخل الفاعل لإنقاذ البلاد من خطورة ما تسبّبت به المفوضية الفاقدة لأهليتِها"، في الوقت ذاته الذي دعت الجماهير في بغداد والمحافظات المختلفة إلى الخروج في تظاهرات سلمية في إطار ما أسمته "جمعة الفرصة الأخيرة"، والتي شهدت مظاهر عنف ومواجهات بين بعض المتظاهرين من جهة، والقوات الأمنية المسؤولة عن حماية المنطقة الخضراء من جهة أخرى، الأمر الذي تسبّب بسقوط قتلى وجرحى، وبالتالي احتقان الأجواء.

إلى جانب ذلك، إنَّ التصريحات التي صدرت عن بعض قادة قوى الإطار التنسيقي، غابت عنها إلى حد كبير مؤشرات وملامح القبول بواقع الأرقام والنتائج الانتخابية المعلنة، فالأمين العام لحركة "عصائب أهل الحق"، الشيخ قيس الخزعلي، قال في مقابلة تلفزيونية إن الانتخابات مطعون في نتائجها ومرفوضة من الطيف السياسي الأكبر، وهذا الرفض مبني على قرائن وأدلة، فضلاً عن تأكيده أن مسار الاحتجاجات مستمر حتى إعادة الحق إلى نصابه. وأكثر من ذلك، لوّح الشيخ الخزعلي بإمكانية مقاطعة العملية السياسية برمّتها إذا بقيت النتائج على حالها.

في مقابل ذلك، إنّ وتيرة الحراك داخل الأروقة والكواليس السياسية ارتفعت بصورة واضحة وملموسة، مع وصول زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر إلى بغداد قادماً من النجف الأشرف، ولقاءاته مع كل من رئيس البرلمان المنتهية ولايته ورئيس تحالف "تقدم" محمد الحلبوسي، الحاصل على 42 مقعداً، ورئيس تيار "الحكمة" السيد عمار الحكيم، ورئيس "ائتلاف النصر" حيدر العبادي، فضلاً عن لقاءات عقدها بعض أعضاء الوفد المرافق للصدر مع وفد الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة هوشيار زيباري، الذي وصل إلى بغداد بالتزامن مع وصول الصدر إليها.

 ورغم أنَّ زعيم التيار الصدري غادر بغداد عائداً إلى مقر إقامته في منطقة الحنانة في محافظة النجف الأشرف، قبل أن يكمل برنامج لقاءاته واجتماعاته المقررة، اعتراضاً على العنف والاضطراب غير المبرر - بحسب وصفه – فإنَّ ذلك لا يعني توقف حراك تشكيل الحكومة، ولا سيما مع تصور عام مفاده أنه مهما تأزمت الأمور وبلغت نقاطاً حرجة وخطرة، ففي النهاية، لا بد من التوصل إلى صيغة معينة للتهدئة والقبول بالأمر الواقع وفق ترضيات وتوافقات وتفاهمات سياسية تؤدي في البداية إلى نزع فتيل الأزمة وتهدئة الشارع، ومن ثم البحث في صيغة مناسبة لإدارة العملية السياسية والدولة في المرحلة المقبلة، وفق الاستحقاقات الانتخابية من جانب، ووفق مقتضيات الوضع العام للبلاد من جانب آخر.

وعلى فرض أن الأرقام الانتخابية ستبقى على حالها أو سيطرأ عليها تغيير نسبي طفيف - وهذا هو المتوقع - فهنا سنكون أمام خيارين؛ الأول، الذهاب إلى مبدأ التوافق المعمول به طيلة الأعوام الثمانية عشرة الماضية. أما الآخر، فيتمثل باعتماد مبدأ الأغلبية الحاكمة والأقلية المعارضة.

وبالنسبة إلى الخيار الثاني، الذي يعد زعيم التيار الصدري أبرز المتبنين له في هذه المرحلة، فقد طرح من قبل بعض الشخصيات والقوى السياسية سابقاً، إلا أنه لم يجد طريقه إلى التطبيق العملي، لأسباب مختلفة، من بينها تعقيدات الوضع السياسي العراقي العام، فضلاً عن هشاشة الوضع الأمني والمؤثرات والتأثيرات الخارجية، وكذلك عدم قناعة الأطراف التي كانت تدعو إلى تشكيل حكومة أغلبية بمثل ذلك الطرح، لصعوبة تطبيقه، وما يمكنه أن يولده من أزمات ومشاكل إضافية في حال تم اعتماده، ناهيك بالتفكير والسعي المحموم نحو المكاسب والمواقع والامتيازات الحكومية، ما يجعل من فكرة الذهاب إلى المعارضة خياراً لا جدوى منه.

 وأكثر من ذلك، حتى الذين كانوا يقاطعون العملية السياسية أو يمتنعون عن المشاركة في الحكومة، فإنهم يبقون يتواصلون ويتحركون عبر قنوات مختلفة من أجل الحصول على المواقع والمناصب هنا وهناك.

وفي المرحلة الراهنة، إن طبيعة الاصطفافات السياسية والأرقام والنتائج الانتخابية، إضافةً إلى حقائق الواقع وتحدياته، ربما تقلص إلى حد كبير فرص خيار حكومة الأغلبية وآفاقها، وهذا ما نجده ونلمسه واضحاً بمقدار كبير بين طيات مجمل خطابات الزعامات والنخب السياسية وتصريحاتها، من خلال تأكيدها وتشديدها على ضرورة تغليب المصالح الوطنية العامة، وأهمية تحقيق التفاهمات والتوافقات الكفيلة بدرء المشاكل والأزمات وتحسين الظروف الحياتية للمواطنين.

وبما أنَّ التوافق والتفاهم داخل المكون الشيعي، ولا سيما على شخص رئيس الوزراء، يعدّ المفتاح والمدخل الأساسي لمجمل الخطوات والتفاهمات اللاحقة مع المكونين السني والكردي، وبما أنه لا يمكن لأي طرف - بصرف النظر عن كونه الأول في عدد المقاعد البرلمانية أو لا - الانفراد بحسم الأمور، فحينذاك، لا مناص من جلوس الفرقاء مع بعضهم البعض حول طاولة واحدة، مهما كانت الخلافات عميقة والاختلافات كبيرة في ما بينهم.

لا يستطيع التيار الصدري الحاصل على 73 مقعداً أن يذهب لوحده ليشكّل حكومة أغلبية مع جزء من المكون السني وجزء من المكون الكردي، وحتى لو استقطب تحت مظلته عدداً من المستقلين والكتل الصغيرة، لن يفلح في السير في خيار حكومة الأغلبية، لأن السنّة والكرد يفضلون - بل ربما يصرون على - التعاطي مع المكون الشيعي بعد أن يكون قد حقق الحد الأدنى من تفاهمات وتوافقات الأمر الواقع.

 والشيء نفسه بالنسبة إلى قوى الإطار التنسيقي، التي يقدّر عدد مقاعدها، في ما لو قررت أن تؤسس تحالفاً أو كتلة برلمانية رصينة، بما يربو على 80 مقعداً، في حال ذهبت إلى الفضاءين السني والكردي لتأسيس تحالفات عابرة، كما يحلو للبعض تسميتها، ستصطدم بالحقائق والمواقف نفسها.

وما ينبغي تأكيده هو أنَ إصرار المكوّنين السني والكردي على تحقيق التفاهم والتوافق الشيعي أولاً، لا يأتي حباً وحرصاً على هذا المكون، بقدر ما يرتبط الأمر بتفاهمات وتوافقات مماثلة في إطار هذين المكونين، لتحديد وحسم منصبي رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان، بل أبعد من ذلك، الاتفاق على حصّة كلّ كيان من كيانات المكون في التشكيلة الحكومية بإطارها العام الشامل.

ولعلَّ أغلب القوى والشخصيات السياسية تدرك تماماً أنَّ خيار التوافقات والتفاهمات السياسيّة، بكلّ سلبياته ومثالبه، سيكون أفضل - على المدى المنظور في أقل تقدير - من خيار حكومة الأغلبيّة، ولا سيَّما إذا كان طرف المعارضة لا يقل كثيراً من حيث التأثير والنفوذ والحضور الجماهيري عن الطرف الحاكم، ناهيك بأنَّ الخيار الثاني يمكن أن يعمّق حالة الانقسام والتشظي والتفكّك داخل حدود المكون الواحد، وفي ما بين المكونات، وهذا يعني في ما يعنيه تعميق المشاكل والأزمات بدلاً من حلّها وحلحلتها.

 الذهاب إلى خيار التوافق والتفاهم قد يمهّد السبيل لمصالحات بين خصوم أشداء، مثل زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، وزعيم ائتلاف "دولة القانون" نوري المالكي، وكذلك بين الصدر والأمين العام لحركة "عصائب أهل الحق" الشيخ قيس الخزعلي، مثلما راحت الحواجز تتخلخل وتتساقط بين القطبين الكبيرين في المكوّن السنّي، رئيس تحالف "تقدم" محمد الحلبوسي، وغريمه زعيم تحالف "عزم" خميس الخنجر، سواء من خلال الوساطات التركية والقطرية أو الوساطات العشائرية الداخلية.

وإذا كان لا بدَّ من الإبقاء على مساحة صغيرة للمعارضة، فإن حركة "امتداد" التي ولدت من رحم الحراك التشريني، ونجحت في حصد 9 أو 10 مقاعد، ومعها جزء من المستقلين الفائزين الذين يقدر عددهم بحوالى 30 نائباً، وشكل بعضهم ما يسمى "الكتلة الشعبية المستقلة"، ستشغل هذه المساحة وتتحرك فيها من دون أن تؤثر كثيراً في معادلات التوافقات والتفاهمات بين القوى والكيانات الكبيرة، وذلك بمجمله لا يلغي إمكانيّة أو فرضية حصول مفاجآت صادمة من تلك التي يحفل بها المشهد العراقي العام، كأن يقرر الصدر شيئاً خارج الحسابات والقراءات الواقعية أو يذهب البعض إلى مقاطعة العملية السياسية، كما ألمح الخزعلي.

كلّ هذا مرهون بالخروج من مأزق النتائج الانتخابيّة، ومن يتكفَّل بذلك، وكيف، ومتى. وفي كلّ الأحوال، لا يبدو أنَّ الحكومة العراقية الجديدة ستبصر النور قبل الربيع المقبل.

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3846.15
يورو 1639.34
الجنيه المصري 92.51
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 2040.82
دينار كويتي 4761.9
ليرة لبنانية 0.97
ريال عماني 3846.15
ريال قطري 400
ريال سعودي 387.6
ليرة سورية 0.58
دولار امريكي 1449.28
ريال يمني 5.81
التعليقات
محمد الهندي : هم من يحكم العراق ويسرقه بالاتفاق مع الاخوه الاعداء وساستنا تبارك لهم ذلك ...
الموضوع :
العرداوي: ترشيح زيباري لرئاسة الجمهورية تجاوز على القانون والدستور
ابو محمد : احسنت واجدت فقرة مرض الولد عشتها شخصيا قبل ايام وكما وصفت بالضبط والحمد لله على كل حال. ...
الموضوع :
من قال أن الرجال لا يبكون .؟!
احمد سواعد : يعطيكم العافيه ...
الموضوع :
وفاة أم البنين (عليها السلام )
حسن : السللم على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين السلام على أبا الفضل ...
الموضوع :
من كرامات الإمام الحسين صلوات الله عليه: اين ذهبت الغدة السرطانية؟قصة معاصرة حقيقية بكل حرف من حروفها
الحاج هادي العكيلي : السلام عليكم .. بالنظر لاهمية محاضرة الشيح جلال الدين الصغير في توضيح الامور وخاصة من الجانب السياسي ...
الموضوع :
الشيخ جلال الدين الصغير يتحدث عن سنة صاخبة تتماوج بين الاحداث وآثارها وبين علامات الظهور ودورها
ابن الاعظمية : الكابتن الاسطورة حسين سعيد ابن الاعظمية البار فهو من مواليد الاعظمية وجاري تبا وتعسا وبغضا لمن يعاديه ...
الموضوع :
حسين سعيد الفلسطيني البعثي ماذا لو كان عراقياً
مازن : إلى جهنم و بئس المصير لعنه الله على كل البعثيين و الصداميين الاوباش ...
الموضوع :
وفاة ابن خالة الطاغية المقبور صدام حسين ومرافقه الاقدم المجرم ارشد ياسين
كرار حسان : عشيرة بيت عوفي وهي عشيرة من أحد عشائر البوبخيت المهمة يراسها في الوقت الراهن الشيخ حسن ناجي ...
الموضوع :
«مسلم» الوحيد بين 600 طفل من «بيت عوفـي» فـي البصرة يقطع 15 كلم ليواصل تعليمه
محمد سعيد : مقالكم جميل حياكم الله ووفقكم أتمنى لكم دوام التوفيق ...
الموضوع :
هل ينجحون اليوم بما فشلوا به في الأمس..
Majeda Khalil : رحم الله والديكم والله يقضي حوائجكم بحق صاحب السجدة الطويله الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك