المقالات

الكاوبوي لا يرقص إلاّ على صفيح ساخن


 

انه غبرييل غارسيا ماركيز الذي قال «ان الكاوبوي عاتب على الملائكة لان ابقاره تدر الحليب لا الذهب»، تاركاً لبابلو نيرودا القول ان الكاوبوي لا يتصور الله الا مرصعاً بالذهب…

اخبرنا موظف قديم في السفارة الاميركية في بيروت انه عندما كان الديبلوماسي موريس درايبر يمثل الجانب الاميركي في المحادثات التي جرت بين لبنان واسرائيل والتي افضت الى اتفاق 17 ايار، فوجىء بدرايبر، وكان مسؤولا في وزارة الخارجية، يقدم له فاتورة بقيمة 35 قرشا دفعها ثمناً لسندويش فلافل..

هذا هو العقل الاميركي، وهذه هي البراغماتية الاميركية التي كان يفترض بالسعوديين وعيها جيدا، وبالتالي اقامة نوع من المسافة الفاصلة بين المملكة والامبراطورية، دون الاندماج العضوي في الاستراتيجية الاميركية التي بدا واضحا من الدراسات التي وضعت انها لا تنظر الى المنطقة اكثر من كونها ضاحية الصفيح رغم الابراج وناطحات السحاب، ورغم القصور واليخوت، فيما كان لبول ولفوويتز ان يعطي الدليل (البانورامي) على الرؤية الاميركية، وحيث يفترض بالانظمة كما بالمجتمعات ان تبقى مجرد متحف للدمى، ودون ان تدخل في اللعبة التكنولوجية التي هي لعبة العصر…

ولعل السعوديين يتذكرون ما فعله ريتشارد بيرل حين كان مستشارا في البنتاغون، اذ استقدم اكاديميين راحوا يتحدثون عن المملكة العربية السعودية، وامام الجنرالات وواضعي الاستراتيجيات، كما لو انها دولة من العصر الحجري، دون اي اعتبار لنوعية العلاقة التي تربط واشنطن بالرياض.

ريتشارد هيلمز، كان مديراً بارزاً لوكالة الاستخبارات المركزية، هو من قال ان المملكة قد تكون الدولة الاولى في العالم في لائحة الدول التي تقدم الخدمات الاستراتيجية للولايات المتحدة، ومنذ ذلك اللقاء الشهير بين الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس فرنكلين روزفلت والذي اعقب مؤتمر يالطا في شباط 1945.

المملكة المحافظة وظفت كل امكاناتها لمكافحة الشيوعية، التي كانت العدو الاكبر للولايات المتحدة، ودون ان يقتصر الدور على المنطقة، اذ ان محمد حسنين هيكل تحدث عن دعم المملكة للنظام في غواتيمالا (اميركا اللاتينية) في وجه الثوار الشيوعيين. كما ان السعودية وقفت دوما ضد المد اليساري وان كان هذا اقرب الى الفانتازيا منه الى المنهجية الايديولوجية…

وليس خفيا على من يعرفون ما يجري في الاروقة الخلفية انه عندما قررت ادارة الرئيس جورج دبليوبوش ازالة نظام الرئيس العراقي صدام حسين، اشترطت الرياض، ومن اجل التوازن المذهبي، ازالة نظام الرئيس السوري بشار الاسد. لكن «حماقة» الرئيس الاميركي حالت دون ذلك، لا بل انها اوقعت الولايات المتحدة بين اسنان ابي مصعب الزرقاوي، وهو ما حمل كاتباً سعودياً على السخرية من سياسات بوش قائلاً «يبدو ان الكاوبوي لا يرقص الا على صفيح ساخن».

ولقد كان واضحا ان سيناريو غاز السارين في الغوطة الشرقية قد اعد باتقان. وكانت هذه الذريعة المثالية، اخلاقيا واستراتيجيا، للتدخل الاميركي. كل الاستعدادات اتخذت لتوجيه الضربة العسكرية. حاملات طائرات وبوارج وغواصات مزودة بالتوماهوك وبالكروز، فيما كانت حكومة رجب طيب اردوغان تعد العدة لاجتياح اجزاء من سوريا، ليتقاطع ذلك مع ما كان يعد على الارض الاردنية، فيما وضعت وحدات «الجيش السوري الحر» في حال التأهب للانقضاض على الاهداف الحساسة التي ستدمرها الصواريخ، كما كان هناك دور محدد لبعض المجموعات اللبنانية للوصول الى قصر الشعب بالتنسيق مع «الجيش الحر». وبالطبع بعد تدمير القواعد الجوية وغرف العمليات ومراكز تجمع الدبابات…

حتى ان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الذي يسخر الروس، بوجه خاص، من هشاشته، حدد اليوم الذي ستتم فيه الضربة، وكان هناك قطب سياسي لبناني واثق من الساعة التي سينتهي فيها النظام في سوريا، والى حد الطلب من مستشاريه ومعاونيه متابعة القنوات التلفزيونية السورية طوال الليل لان الوجوه التي على الشاشة ستتغير بين لحظة واخرى، بعدما تم اعداد فريق اعلامي وتقني لادارة تلك القنوات فور ان تقع الواقعة…

لم يحدث شيء من هذا، لا بل ان مسار الاحداث اتجه، وعلى ذلك النحو الدراماتيكي، نحو التسوية بين واشنطن وموسكو، وبعدما تقاطعت معلومات الاستخبارات الاميركية مع معلومات الاستخبارات الروسية حول كون التنظيمات المتطرفة هي التي ستستولي على الوضع في سوريا لا «الجيش الحر».

الآن، ثمة ازمة في العلاقات بين الرياض وواشنطن التي باتت تتهم علنا بالخيانة. ولكن ما هي الخيارات السعودية في هذه الحال بعدما لاحظ الكثيرون في المملكة كيف يتحدث معلقون وباحثون عنها، وكيف يدعون الى التخلي عن النفط السعودي الذي تحول بين ليلة و ضحاها الى «عبء استراتيجي علينا»؟

لا ريب ان المملكة في حالة الصدمة لانها تدرك طبيعة التداعيات الناجمة عما حدث. ولكن لا يزال هناك متسع للتفكير العميق، والعودة الى الخيارات الهادئة، لا اقتفاء اثر رجب طيب اردوغان الذي زحف الى واشنطن لاستجلاب الدرع الصاروخية عله يتوج سلطانا على العرب (سلطانا عثمانيا)، فإذا به يغازل الصين لشراء الصواريخ منها بعدما تلاشت كل احلامه السلجوقية والعثمانية..

هذه لحظة لكي يفكر فيها العرب عربيا، وبرؤية اخرى للعصر، لا ان يفكروا اميركيا او روسيا او صينيا. حتى الآن لا دليل على ذلك!

الديار

10/5/131027/ تحرير علي عبد سلمان

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
زياد مصطفى خالد : احسنت تحليل واقعي ...
الموضوع :
مسرحية ترامب مع زيلنسكي والهدف الامريكي !!
ابو حسنين : انظرو للصوره بتمعن للبطل الدكتور المجاهد والصادق جالس امام سيد الحكمه والمعرفه السيد علي السستاني بكل تواضع ...
الموضوع :
المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني يستقبل الطبيب محمد طاهر أبو رغيف
قتيبة عبد الرسول عبد الدايم الطائي : السلام عليكم اود ان اشكركم اولا على هذا المقال واستذكاركم لشخصيات فذة دفعت حياتها ثمنا لمبادئها التي ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
م خالد الطائي : السلام عليكم, شكرا لصاحب المقال, عمي مالك عبد الدايم الطائي: خريج 1970م، تخرج من كلية العلوم بغداد ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
ام زهراء : مأجورين باىك الله فيكم ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
علاء عبد الرزاق الانصاري : الاهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك