فؤاد الطيب
كانت ومازالت مدينة البصرة حافلة بغزارة الإنتاج والغذاء والثروات , وهي قبلة الموانئ العراقية التي ترسو على صدرها يوميا السفن المحملة بملايين الأطنان من السلع المختلفة , ويخرج من رحمها سفن البترول وتمور أبي الخصيب , ولكن أهلها مازالوا جياعا يصارعون الفقر والعوز والحاجة اليومية لما يخرج من موانئ بلدتهم إلى البلدان الأخرى , وهم ينظرون بعيون وبطون أشبعتها الكرامة وعزة النفس , إلى تلك الثروات الهائلة التي تخرج من مدينتهم ليتمتع بها غيرها من شعوب المنطقة .
اشتدت الفاقة , وعاثت أيادي حكومات تعاقبت على حكم العراقيين , بمقدرات أهلها الذين انتهى لديهم زمان الصبر وشد الحزام على البطون , ليخرجوا على غير هدى بثورة صغيرة لا نستطيع أن تكهن بنتائجها ونهايتها وانعكاساتها على باقي المحافظات العراقية .
ولعل التطورات المتسارعة الأخيرة على أجواء البصرة ربما ستنذر بثورة كبرى بوجه كل أشكال الظلم و الفساد التي تعرض لها أبناء البصرة , ابتداء من انعدام الخدمات بصورة شاملة بمختلف القطاعات التربوية والصحية والتعليمية والعمرانية , وانتهاء بتلوث مياه الشرب وتعرض المئات من أبناءها لحالات التسمم التي لم تستطع حتى مستشفيات المدينة من السيطرة عليها واحتواءها .
الأغرب من ذلك , صدور البيانات والتصريحات من قبل وزراء ومسئولين كبار في الحكومة بشجب هذه التظاهرات ورفضها واعتبارها تجاوزا على هيبة الدولة وممتلكاتها , دون مناقشة أصل الأزمة وأسبابها , فضلا عن انشغال كافة الكتل السياسية بملفات التحالفات والصراع فيما بينهم على المناصب والوزارات والرئاسات بعيدا عن إيجاد الحلول المناسبة لمعانات أهل البصرة .
الأدهى من ذلك ظهور وزيرة الصحة عديلة حمود على إحدى الفضائيات لتقول انه لا وجود لحالات تسمم وان المياه الموجودة بالبصرة صالحة للشرب , وقد استقبل العراقيين تصريح عديلة بالتندر والغضب , الأمر الذي زاد من تصعيد الأزمة هو مواجهة الأجهزة الأمنية لتظاهرات المواطنين بالرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع مما تسبب بسقوط شهداء وضحايا وعدد كبير من الجرحى دون أن ينطق احد من المسؤوليين بأحقية أهل البصرة بتوفير الخدمات .
الحكومة المحلية في البصرة أيضا منشغلة بالصراع على المناصب ولا ندري إلى أين سينتهي بنا هذا الصراع , ولعل الطيش الإداري الذي تعمل وفقه الحكومات المتعاقبة في العراق منذ السقوط حتى الآن , سينتهي بفشل المشروع الشيعي الذي كانوا يحلمون به منذ مئات السنين , وإنهم يرسلون رسالة إلى العالم بأنهم ليسوا رجال دولة وإنهم غير قادرين على بناء أسس صحيحة للنهوض بالعراق من جديد بعد عقود طويلة من الظلم والاستبداد .
ختاما أقول ان العراق اليوم يمر بمنعطفا جديدا في الحراك الجماهيري , وان هذا الحراك الشامل إن لم تتمكن الحكومة من احتواءه بالصورة الصحيحة والقرارات السليمة التي يمكن لها أن تخرج العراق من تراجعه المخيف على مستوى جميع الملفات الخدمية , فان النتائج ستكون وخيمة , فعلى السياسيين اليوم أن يتخلوا عن مصالحهم الخاصة وان يلتفتوا للعراقيين قبل فوات الأوان .
https://telegram.me/buratha
