فؤاد الطيب
تشهد الساحة العراقية اليوم عودة لموجة الاغتيالات والخطف والاغتصاب التي سادة شوارع بعض المحافظات ومنها بغداد وبابل والبصرة , وكان الاستهداف منظما واختيار الأشخاص المغدورين , أمرا مخططا له مسبقا , حيث يرى بعض المراقبين أن هذه الأحداث ليست عفوية , إنما هي تمهيد لمشهد آخر سيأتي تباعا لما يجري اليوم , ولا نريد القول إن غياب القانون أو القوة الرادعة أدت لظهور تلك الموجة , حيث أن القانون والدستور والقوة الرادعة وأجهزة الأمن وتراكم القضايا على موائد القضاء كلها تعطي صورة واضحة على أن هناك من يعمل للحد من انتشار الجريمة المنظمة .
ولكن وجود هذه المعطيات أو المؤشرات الأمنية لا يكفي لإيقاف أو الحؤول دون وقوع الجريمة في مكان ما , بحال عدم تماسك تلك الأجهزة التي تعاني أيضا من الترهل والتراخي وغياب العين الساهرة في كل مكان للحد من أي انفلات امني يمكن له أن يحدث ويمر مرور الكرام , وبالتالي تقيد الكثير من الجرائم ضد مجهول .
لنترك الحديث عن القانون , ونتجه إلى , من يحق له القيام بقتل الناس وإنهاء حياتهم برصاصة ؟ أو تهديد أمنهم واستقرارهم وتنغيص حياتهم وإجبار الكثير منهم على الرحيل وترك بيوتهم أو الهجرة خارج البلاد , من له الحق بإنزال القصاص أو العقاب أو القتل والخطف بحق المخالفين وغيرهم ميدانيا , أو بحق الأطباء وأساتذة الجامعات والكفاءات العلمية والمهندسين والمفكرين والناشطين وضباط الجيش والشرطة , وحتى أصحاب المهن والحرف اليدوية والبسطيات والحلاقين والبنجرجية والكسبة وأصحاب مساطر البناء والعربات الخشبية وصباغي الأحذية ؟ من له الحق للقيام بمهمة تشويه حياتنا بهذه الطريقة البشعة , وخطف أطفالنا واغتصابهم وترويعهم وإزهاق أرواحهم بكل بشاعة دون رحمة , مقابل حفنة تافهة ورخيصة من الدولارات ؟ وتمهيدا لمشرع مليء بالقذارة ملطخ بعار الخيانة ضد العراقيين .
نحن نعرف جيدا إن ما يحدث في العراق منذ خمسة عشر عاما , وفق برنامج منظم ومخطط له منذ السقوط حتى الآن , ونعرف أيضا إن جميع عمليات القتل والتهجير والخطف والسلب , وحتى الحرائق المفتعلة , هو أمر مفروغ منه نتيجة وجود الكثير من الخصوم والأعداء والمأجورين والمغرر بهم في الداخل والخارج , و الأخطر من ذلك هو ما يتم التخطيط له من الداخل , ونعرف أيضا إن جميع جرائم القتل هذه مدفوعة الثمن وبأرقام ومبالغ كبيرة تنتهي إلى هدف واحد هو استمرار إشاعة الفوضى والخوف بين العراقيين , يساندهم بذلك الإعلام الممول من السحت الحرام .
لا يمكن لوطن أن يحول دون وقوع الجريمة فيه ما لم يكن أبناءه أوفياء له ومخلصين , ولا يمكن للأجهزة الأمنية أن تنهي ملفات القتل والاغتيالات ما لم يكن المواطن سندا له ورقيبا على كل شاردة وواردة فيه , ربما يقول الكثير من الناس هنا , مالي وما يحدث في العراق فالموت مازال بعيدا عني وعن أسرتي , لكني أقول للجميع إن الموت يجول بيننا والمؤامرات تحاك في أضيق أزقتنا , فعلينا الانتباه والشعور بقدر اكبر من المسؤولية , ولنحافظ على قيمة الإنسان في كل مكان .
من حيث أن نظرة الإسلام إلى الإنسان نظرةً مليئة بالقيم العالية، ويعتبره ذا مكانة كبيرة ومهمة، فقد كرمه الله تعالى عن باقي المخلوقات , وخصه بالحقوق والحريات وما يكفل له الحياة الكريمة , وخلقه في أحسن تقويم , ومنحه سلطته في الأرض لبنائها والحفاظ على أسسها , وليس الاهتمام فقط بجانب الأسرة والابتعاد عن سائر شؤون الحياة .
https://telegram.me/buratha
