طيب العراقي
في زمن فائت؛ ثمة ملك من ملوك القبائل الطغاة في بلاد فارس، وكان هذا الملك مولع بالنساء، وتداخل هذا الولع مع الطغيان، فكان يتزوج كل خميس، مختبرا فحولته القذرة مع زوجة جديدة،على أن يكون قد أخذها من أهلها عنوة! كان حوله حاشية سوء، تبحث له عن الفتيات الجميلات؛ في طول البلاد وعرضها فيوصفوهن له، تماما كما فعل بعده الطاغية ابن الطاغية عدي صدام حسين..
يوما ما؛ ذكر له سماسرته أن في أحدى قرى مدينة مندلي شرق العراق، إبنة لأحد زعماء العشائر الفيلية، لا يضارع جمالها أحد، فجهز الملك الطاغية جيشه؛ وتوجه صوب أراضي تلك العشيرة، وبلا مقدمات أعمل القتل في رجالها الى أن ظفر بالفتاة..
مثٌلت الفتاة بين يديه، بعدما قتل عنها أخوتها السبعة؛ ومن أبناء عمومتها عشرة، ومن باقي عشيرتها عشرات، فطلب منها الزواج دون أن يراعي أحزانها، فكان أن وافقت فورا مشترطة أن يقبل هديتها، التي هي عبارة عن زيت يدهن به رقبته، فينكسر السيف على الرقبة أذا تم ضربه..فقال لها الملك الطاغية ومن يضمن لي أنها ليست خديعة منك، إن كيدكن عظيم، فقالت له هذا هو الزيت وسأدهن به رقبتي، وأضرب بسيفك وسترى كيف سينكسر..!
دهنت الحرة الفيلية رقبتها بالزيت، وقالت له الآن أضرب بسيفك رقبتي؛ بما أوتيت من قوة أيها الملك العزيز يازوجي الحبيب..أستجمع الملك قوته وأناخت الفتاة رأسها، فضرب الملك الرقبة اللؤلؤية، فتدحرج رأس الفيلية على سفطاط الملك..
لم تقبل الفيلية ذل الطاغية؛ ولم تقبل قبلها أو بعدها أي فيلية ذل الطغاة، وتحملن أهوال جرائم نظام الطاغية صدام، بكبرياء نائت به جبال بشتكوه وعيلام، التي عبرنها مشيا على الأقدام، مخترقات لحقول الألغام؛ في رحلة تهجيرهن وأطفالهن من العراق، بعدما عزل صدام رجالهن وأبنائهن الشباب، ليغيبهم الى الأبد في سجونه السرية ومقابره الجماعية وأحواض التيزاب..
في محنة الفيليين كانت المرأة الفيلية، مثالا للشموخ الزينبي، وكان طف كربلاء وسبي مخدرات بني هاشم، حاضرا معهن دائما؛ في المهاجر والمنافي القسرية..لقد أبلين بلاءا حسنا، وقدمن أنموذجا لن يتكرر بالصبر والعطاء، وأستطعن ببسالة منقطعة النظير، أن يعدن بناء الأمة الفيلية، وأن ينشأن جيلا بقي فيليا رغم أهوال الحياة، وإن تظافرت أجندات الإمحاء عن خارطة الوجود كلها عليه.
في هذه المرحلة الدقيقة جدا من حياة الفيليين، حيث التجاهل المتعمد لحقوقهم المغصوبة، وحيث سياسات الإمحاء ما تزال تنفذ بخبث وخسة، فإن المرأة الفيلية أزاء مسؤولية كبرى، بأن يفسح المجال لها، لتقديم سيول عطائها المتجددة دوما، في قضية إنتزاع الحقوق الفيلية، فهي نصف الأمة الفيلية إن لم تكن كلها، وهي جنة الشباب الفيلي إن كانوا يريدون الجنة، وهي التي حفظت النوع، وصنعت ملحمة البقاء..
على الفيليين الذين جربوا عطاء المرأة الفيلية؛ أن يضعوا ثقتهم بها دائما، ويتعين اليوم ان يتم تنظيم صفوف النسوة الفيليات، وأن تكون لهن مؤسستهن التي تعنى بشؤونهن، وحيث ينطلقن عبرها لأداء الدور المطلوب منهن في معركة الحقوق الفيلية..
هذا المطلب لا يتم العمل عليه من قبل النسوة الفيليات وحدهن، بل يجب أن يعمل الرجال الفيليون عليه بقوة، عرفانا منهم بفضل النسوة الفيليات، وبصبرهن الزينبي الأسطوري، الذي لم يتكرر بالتاريخ إلا مرة واحدة فقط، وفقط عند مثالهن الذي يحتذينه، السيدة زينب بنت علي عليها عليهما السلام..
https://telegram.me/buratha
