حيدر العامري
أن الحكومة الجديدة التي يترأسها السيد عادل عبد المهدي هي : حكومة ولدت من رحم الأزمات السياسية والمعاناة الاقتصادية؛ التي أوقفت البلاد على حافة الهاوية؛ وأولا تلك التحديات التي على الحكومة أن تواجهها هي : تقليل الإنفاق الحكومي ومعالجة الترهل الوظيفي و الإداري في بلد وصلت فيه الأوضاع المالية لمستويات متردية .
من الضروري جداً أن تتخذ الحكومة الجديدة، قراراً بفتح بعض الثغرات في طريق بدا مسدودا بحالة الشلل، التي لازمت حكومة السيد العبادي المنصرمة، وبالرغم مما أشعته هذه القرارات من تفاؤل فإن شروط نجاح الحكومة الجديدة في رأي كثيرين تكمن في مدى الاستقلالية التي تتاح لرئيس الوزراء في رسم السياسات العامة للبلاد وتحقيقها حسب الواقع ووفق المادة "٧٨" من الدستور والتي تنص على ان رئيس الوزراء هو الجهة التنفيذية و المسؤول المباشر على رسم السياسات العامة للدولة فكثيرا ما وصفت السياسات السابقة بالتخبط؛ وحتى التي يُعلن عنها لم تجد سبيلا لاختبارها فكثيراً ما يقطع عليها الطريق بتدخلات خارج نسق الإدارة المؤسساتية حتى فقدت الهياكل الإدارية المتعددة، المسميات الضرورية لتحريك وضبط "الدولاب الحكومي
دون أن تحرز تقدماً في اتجاه حل الأزمات التي تمسك بخناق البلاد.
ولا شك فأن ضعف العامل الاقتصادي هو الذي أثر وبشكل سلبي على مستجدات المشهد السياسي في العراق، وبالرغم من أن الكثيرين لا يرونهُ إلا عرضاً لخلل بالتوازن والممارسة السياسية إلا أن البلاد تبدو متأثرة بما تنتجهُ المطابخ السياسية لدول الجوار من أفكار وعقائد دون النظر والانفتاح على الآراء التي ينتجها المجتمع العراقي الغني بنخبه الدينية والفكرية خارج الأطر الرسمية والحزبية وهو ما أغلق مسالك الرأي الحر في الفضاء العام ولذلك فمن الضروري زيادة مساحة الحريات العامة السياسية والصحفية بحيث تتسع مصادر الإسهام في الحل الجذري للمشاكل العالقة وتحفيز الثقة وإحياء الأمل لدى الجماهير في خروج العراق من المأزق السياسي والاقتصادي الذي يعاني منه وطن مترع بالموارد البشرية والطبيعية ولكنه يواجه تحدي السير في دروب الإخفاق .
ويمكن القول إن تكليف السيد عادل عبد المهدي لرئاسة مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة جاء ليؤكد رغبة صناع القرار السياسي بالتغيير في نمط السياسة المتبعة وهنا تكمن نقطة التحول المهمة التي يمكن أن نعدها بداية جديدة للنضوج بالمواقف التي تستوجب توحيد الرؤى وتصحيح المسار بدلاً من التقاطعات السياسية.
والأهم من ذلك ثمة قوى سياسية تحاول توسيع دائرة نفوذها على حساب تقدم المنجز الخدمي والاقتصادي الذي يسعى إلى تحقيقه رئيس الوزراء الجديد السيد عادل عبد المهدي من خلال رسم سياسات قادرة على إقناع الجمهور بأن الاستجابة لمطالبهم والعمل على تحقيقها تدار بشكل منصف فالشارع العراقي يعول كثيراً على الحكومة الجديدة وفي حال عجزها عن تحقيق مطالب الجماهير سوف يؤدي ذلك إلى الإحباط الذي يمكن أن يعيد الاحتجاجات والتظاهرات إلى الواجهة.
وبناء على ذلك يمكن القول إن هذه المؤشرات تشكل قاعدة أساسية لافتراض الشروع نحو تصحيح مسار العملية السياسية والسعي باتجاه إخراجها من دائرة الأزمات والمخاطر الأمنية التي يحاول العراق تجنّبها والتي لن تكون أقل وطأة من التحديات الاقتصادية التي يواجهها فالعراق اليوم يعاني ركوداً اقتصادياً كبيراً وتراجعاً في النمو وواقعاً مالياً صعباً للغاية تزيد من تفاقم أزمة الثقة في اختيار الوزراء الآخذة في التصاعد.
أن واقع الحال للملفات السياسية العالقة يتطلب معالجات سريعة ويفترض أن تضعها الحكومة الجديدة في اولويات برنامجها الحكومي لكنّ نجاحها في تطبيق الإصلاحات رهن بقبول الأطراف السياسية بقرارات مصيرية تتعلّق بمكافحة الفساد ووقف الهدر للمال العام وخفض الإنفاق ويبدو أن الجميع مدرك لخطورة الأوضاع وأهمية الإسراع في المعالجة الجذرية لآفة الفساد التي تنخر في جسد الدولة وهذه ليست مهمّة الحكومة وحدها إنما تشكّل اختباراً لجميع الأطراف السياسية المتفقة على إنقاذ العراق وهي تدرك أن الخروج من الواقع الخطير بات أولوية ملحّة.
https://telegram.me/buratha
