حلا الكناني
عجيبٌ أمر هذا الزمان الذي اتبع الهوى، وصاحب أهل البليّة، والردى، وأغمض عينه عن الحق، فعمى، وحسب أنه سيترك سُدى، وما عرف ان الدنيا ستفنى، وان الآخرة خيرٌ، وأبقى.
غدا الحق عدواً لكثير ممن يرونه ظالماً أورثهم نقصاً في الأنفس، والثمرات، فأجمعوا أمرهم أن لا مُقام له بينهم، وبعد أن كان سيّدهم، صار أسيرهم، وصاروا به حيث ذلك المنفى اللعين، بعيداً عن اعين الناس ان يدركوه، وبينما هو جالس يسلّي وحدته، وإذا به بصوت شيطانٍ يجرّ في أذياله جحافلاً من مكرٍ عظيم، ولأنه مضياف الطبع رحّب به ضيفاً، وأجلسه مجلسه، فابتسم ضيفه المشؤوم ابتسامة صفراء تغيض الناظرين، وابتدأ حديثه ببسم الشر تبتدأ الشياطين.
أراك صرت منبوذاً أيها الحق، وتغّشاك الفقر، والبؤس من كل مكان، وأخشى ان أيامك اصبحنّ معدودات، وإن قارورة صبرك نفدت، وما لها من محيص، فاُترك عنك كبريائك وعزة النفس، واعترف انك اصبحت من العاجزين، فأجابه أن مهما جارت بيَ الدواهي، ومهما اعتزلني الناس، فما مصير أيام البلاء الا الانقضاء، وما لسلطانك على أحدهم من بقاء، وعندها سيدرك من صدّ عني أنه أضلّ نفسه، وأنى لها الرُجعى بعد فوات الأوان.
غادر حينها الشر يملؤه غيظاً راح ينفخه في جوف بوقه، معلناً عن حربٍ شعواءَ مخفية المعالم، مبيّتة النوايا على كل من آثر طريق الهدى على الضلالة، وما زال في انتظارِ سيّده الحق أن يعود، فاستيقظت جيوش الباطل من أجداثها، ساجدة راكعةً لسلطان مصالحها الذليلة، وتنكّرت بقناع الحق، وانتشرت في البلاد شرّ انتشار، فما هي الا أياماً معدوداتٍ، حتى صار في قبضتها العديد من رهائن لفتنٍ، ومكائدَ شتّى، وما نجا من الناس الا قليل، وهؤلاء الذين استعصموا نُفوا الى حيث سيّدهم، وبانتظارهم سنيناً عجافاً ستأكل من لحمهم، وتشرب من فيض دمائهم، لكنهم ادركوا أن مرارة الصبر خيرٌ مما يجمعون، وإن رقصت شياطين الباطل على جثمان الحقيقة، فسيبقى الحقّ حقّاً، ولو كره المبطلون.
https://telegram.me/buratha
