المقالات

المدرسة السياسية للسيد عبد العزيز الحكيم  


علي عبد سلمان

 

من رحم وضع سياسي وديني واجتماعي معقد ومتشابك, برزت من معاناته شخصية فذة, ذخرها الباري للعراق في وقت محنته وبلائه وورود المصائب عليه. وضع مأساوي ألم بالعراق, كان يحتاج لقائد يجتمع عنده المتناقضين , كان يحتاج لقائد شديد قاسي على اعداء العراق, رحيم رؤوف واسع القلب مع اخوته من العراقين جميعا (سنة وشيعة وكرد, بل وحتى المنافسين له والمعادين له من الأحزاب والتيارات السياسية).

   ظرف كان يحتاج وبشدة لخيمة (سياسية), تجمع شتات التناحر السياسي والعسكري والاستخباري, شخص يستطيع ممارسة العمل السياسي المتأدب بأدب الدين, بما ينقل تصورا إنسانياًّ نظيفا ومشرقا, لدور رجل الدين في ممارسة العمل السياسي؛ فكان السيد عبد العزيز الحكيم رحمه الخالق, تلك الشخصية التي أشرقت وسط ظلام الفتن, والاقتتال الطائفي والخراب السياسي وتكالب الأعداء.

   يرى الكثير من الباحثين المختصين بدراسة شخصية الفرد العراقي, أن نزعة التسلط الانتقامية التي تميزت بها الشخصية العراقية بشكل عام, ناتجة عن عوامل قهر وحرمان وتسلط سلبي مضاد, يتم التعامل من خلالها مع شخصية الفرد العراقي, من خلال توجيه الكثير من هذه العوامل عليه, مما يؤدي في النتيجة حين ظهور أية بادرة تمكن سلطوي لدى هذه الشخصية, إلى ممارسة الكثير من أنماط التسلط الانتقامي (راجع : شخصية الفرد العراقي- لباقر ياسين؛ و دراسة في طبيعة المجتمع العراقي- علي الوردي).

   في حالة عزيز العراق, كانت النتيجة مخالفة لكل نتائج هذه الدراسات, فإعدام أكثر من 80 شخصا من أفراد أسرة آل الحكيم من أخوته العلماء المجتهدين, ومن أقاربه وأبناء عمومته, مع سجن المئات منهم لسنين طويلة تحت وطئة التعذيب, وملاحقتهم تحت كل حجر ومدر, ومحاربة أجهزة البعث الصدامي (والتي كانت تمثل نسبة عددية كبيرة من أبناء الشعب العراقي) له ولأفراد عائلته, واضطراره لترك بلده وعيش معاناة الاغتراب وقسوة الحرب المسلطة ضده, إضافة لاستشهاد أخيه شهيد المحراب, كل تلك العوامل كان من المفترض أن تخلق منه شخصية سوداوية انتقامية, تحمل هاجس حب الإنتقام وإعادة الاعتبار لذاتها, خاصة عندما عاد للعراق وتسنم زعامة أكبر تيار سياسي يملك الكثير من المال والسلاح والرجال.

   إلا أن ما حصل هو العكس تماما, إذ رمى رحمه الله كل تلك السلبيات, وكل ذلك التأريخ الظالم, وراء ظهره, وشمر عن ساعد الجد والعزيمة, وأظهر مكنون غيرته الوطنية وحبه لأبناء شعبه, ونزَعَ رداء سلاح الحرب الدفاعية المقدسة التي مارسها ضد الطاغية, ولبس أرقى أنواع الدبلوماسية والحنكة والحكمة السياسية, فقارع عمالقة السياسة في العالم, وتصدى لأكبر المخططات التي كانت تسعى لتمييع حقوق الأغلبية الشيعية, ووقف بوجه تسلط المحتل في العراق, وإستحصل الحقوق السياسية لهذا البلد وأبناء هذا البلد, وأجبر عتاة السياسة الأمريكية إلى الرضوخ للكثير من المطالب الشيعية بشكل خاص, والعراقية الوحدوية بشكل عام, كل ذلك دون أن يدعو لحمل السلاح, ولا إراقة الدماء.

   أقولها ومن خلال فهم لواقع العراق المؤلم, أن السيد عبد العزيز الحكيم, كان فعلا هبة إلهية لهذا الشعب وللعملية السياسية, في أحلك ظروف السياسة التي مر بها البلد, فقد وازن ما بين شيعيته وعراقيته, وما بين خوضه للسياسة ضد أقران قذرين, وما بين أخلاق إنسانية ودينية, تزينت بطاعته المطلقة للمرجعية الدينية, والإستظلال بظلها الأبوي العراقي الوارف, كل تلك الصفات وغيرها الكثير, أثبتت للواقع المنصف, بأن هذا الرجل كان نمطا خاصا ونوعا مميزا من نوادر الرجال, الذين تذخرهم إرادة السماء لأزمات خاصة, لا يمكن لأي أحد الخوض في غمارها ..

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3225.81
يورو 1351.35
الجنيه المصري 74.29
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1694.92
دينار كويتي 3846.15
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 328.95
ريال سعودي 319.49
ليرة سورية 2.33
دولار امريكي 1204.82
ريال يمني 4.79
التعليقات
مهيمن سامي العيبي : السلام عليكم كنت سابقن في لواء علي اكبر تحت قيادة لواء عبد الكريم الحسناوي في بيجي معارك ...
الموضوع :
تشكيل لواء علي الأكبر والبطولات التي سطرها ضد كيان “داعش” التكفيري
جاسب علي : وهناك سفارات تحوي على عدد من ازلام السابقين واتباع صدام كانوا يخدمون في المخابرات مثل المخضرم علي ...
الموضوع :
طلب برلماني بغلق السفارات والبعثات للدول التي ليس لديها تمثيل دبلوماسي في العراق
قاسم محمد : المحافظات المسموح بها التظاهر والتخريب هي محافظات الوسط والجنوب اما غيرذلك فغير مسموح به ذلك قرار السفارة ...
الموضوع :
كيف أتفق متظاهرون على إقالة 9 محافظين من بغداد الى البصرة؟!  
قاسم محمد : الى السيد الكاتب المحترم مصطفى الكاظمي ليس من اهالي الكاظمية هو بالاصل من الناصرية مع احترامنا لكل ...
الموضوع :
إصبع على الجرح ـ ماذا يحصل ايها الكاظمي ..  
زيد مغير : استاذي الكريم مع اجمل تحياتي اليك وانا اقرأ مقالك الرائع مررت بالقائمة العراقية واتذكر موقف اياد علاوي ...
الموضوع :
عبيد صدام حقراء وأراذل القسمين الاول والثاني  
ضياء عبد الرضا طاهر : هذه المفاوضات هي لتثبيت العدوا الامريكي وحلفائه وهي نوع من انواع الخداع الذي يمارسه هذا العدوا المجرم ...
الموضوع :
المفاوضات الامريكية العراقية ملاحظات وحقائق  
عبدالله : خوش مقال👏 ...
الموضوع :
إغتيال الذاكرة الشيعية ..في العراق
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكم ورحمه الله وبركاته ,,,بارك الله فيك سيدنا المحترم ,,عن رسول الله صلوات الله عليه واله ...
الموضوع :
الشاهد الشهيد
مازن عبد الغني محمد مهدي : اللهم نسألك ونتوسل اليك بحق الرسول ابو القاسم محمد والله الاطهار المطهرين ان تصلي على محمد وال ...
الموضوع :
مكتب الامام المفدى السيد علي السيستاني يوجه رسالة الى العراقيين بعد تزايد اعداد المصابين بكورونا
مازن عبد الغني محمد مهدي : السلام عليكم ورحمه الله وبركاته ,,اللهم صل وسلم على الرسول الاعظم ابو القاسم محمد واله الاطهار المطهرين ...
الموضوع :
فتح جديد لايران!!  هسه ينجلط المضغوطين  
فيسبوك