المقالات

دراسة ـ صناعة الشائعات وتحريف الاتجاهات ـ القسم الأول


علي عبد سلمان

 

الإشـاعة او الشائعة هي الاخبار والاحاديث والمرويات الشفاهية التي يتناقلها افراد المجتمع الواحد دون ان يتحققوا من صحتها . وعلى هذا ، فهي تعتبر من اكثر المعلومات سذاجة طالما انها غير دقيقة وعاجزة عن تحقيق هدفها المطلوب .

وتأسيساً على ذلك ، تعتمد أغلب الدول في الظروف الاعتيادية في تقصي المعلومات الموثوقة المتعلقة بالآخر ، من مصادر مختلفة ولاسيما وسائل الاعلام المختلفة . اما في ظروف الارباك والاجواء الرمادية الممهدة للحروب ، فإن الاشاعات تأخذ في الانتشار وتؤدي في الأخير الى تصعيد هذا الارباك . وفي ظروف كهذه ، يجد المرء نوعين من الاخبار المتضاربة ، فمن جهة ، يجد الاخبار التي تنشرها وسائل الاعلام الوطنية التي يفترض انها صحيحة وموثوقة ، ومن الجهة الاخرى ، هناك الاخبار غير المؤكدة التي يتناقلها الناس .

والاشاعة في السلم لا تختلف عنها في الحرب ، وهي تقوم اساساً على الترويج ومادتها الافتراء والخبر غير الصادق ، واسلوبها المبالغة في عرض الخبر وتضخيم تفاصيله ومسخ حقائقه . وتنتشر الاشاعة ليس لكسب الرأي المحلي / الوطني فقط بل والعالمي ايضاً . وكما يعبـر الخبر عن الحقيقة ويعكس الواقع فإن الاشاعة هي صدى للحالة التي يمر بها المجتمع ، وهي الى حد ما تعبر عنه المخاوف والتوقعات .

والشائعات في أوقات السلم تهدف الى البلبلة ونشر الاكاذيب التي تضعف الروح المعنوية وتنشر القلق وتصدع الجبهة الداخلية ، ومن هنا تبرز مسؤولية المواطن في تحمل المسؤولية لمكافحة الاشاعة عن طريق التسلح بالعلم والمعرفة ومتابعة الحقائق ، كما تبرز ايضاً مسؤولية الاعلام الصادق في ضخ الصحيح من الاخبار لتحصين المواطن ضد الاشاعات وسمومها .

الشائعة لا تعرف هوية مطلقها ، تبدأ بالتنامي فالانتشار ، فتصبح بأهميتها محور اهتمام عام ، وتبلغ الذروة قبل ان تعود فتتراجع وتتفكك الى نيران خامدة كثيراً ما تنطفىء تماماً في الأخير .

الجدير ذكره ، ان كلمة شائعة تستحضر بالنسبة الى العامة ظاهرة غامضة وشبه سحرية يعكسها تحليل المفردات الرائجة . فالشائعة تطير وتزحف وتتعرج وتعدو ، وهذا ما يجعلها على المستوى المادي اشبه بحيوان مباغت وسريع الحركة يتعذر أسره ولا ينتمي الى أي فصيلة معروفة ، اما تأثيرها في البشر فإشبه بالتنويم المغناطيسي وخصوصاً انها تبهر وتغوي وتسحر الالباب وتلهب الحماسة .

اننا رأينا ان هذا المفهوم خاطىء ، فالشائعات أبعد ماتكون عن الغموض بل انها تخضع لمنطق قوي من الممكن تفكيك آلياته . وفي ايامنا هذه بات من السهل تقديم اجابات فضلُى عن الاسئلة الكبيرة التي تثيرها الشائعات :-

من أين تنشأ ؟

كيف تتبلور ؟

لماذا تظهر في وقت ما ، في مجموعة محددة او مكان معين ؟

الى ذلك ، من الممكن تفسير الشائعات :-

ما الذي يجعلها مكروهة ؟

ما القواعد التي تحكم مرسلتها ؟

ما هي المرسلة الخفية التي تتجاوز المضمون الصريح للشائعات ؟

اضف ، من غير الممكن تحليل ظاهرة الشائعات من دون الحديث عن دورها في الحياة اليومية ، فكيف يتفاعل المرء مع الشائعات ، وكيف يستخدمها ، ولأي غايـة ، وما تداعياتهـا المتوقعـة وغيـر المتوقعة ؟

اما السؤال الأخير فهو :- هل يمكن اخماد شائعة ما ؟

لقد اقتصر الأمر حتى اليوم هذا على اجراء تحليل توصيفي او تفسيري للظاهرة ، غير ان الحقائق الاجتماعية تحثنا على الذهاب الى ابعد من ذلك ، وتحديداً الى معالجتها ، فعندما نتعمق في درس مشكلة التحكم بالشائعة نبلغ فعلياً صميم منطقها ، أي ظاهرة تصديقها.

 ترويج الاشاعة

تنتشر الشائعات – رغم افتقارها الى دليل يسندها – عندما تقضي طبيعة ظروف الاوضاع الداخلية المرتبكة للدولة ، الكتمان وحجب المعلومات المهمة . او عندما تكون مصادر المعلومات الاعتيادية غير قادرة على تغطية الاخبار بشكل تام ، اما بحجة عدم توفرها او ان الرقابة لم تصرح بنشرها .

وعندما يتعذر على الناس الحصول على المعلومات من مصادرها الاعتيادية ، فأنهم يلجأون لتأمينها من مصادر اخرى . وفي مثل هذه الحالة تلقى الاشاعة رواجاً كبيراً بأعتبارها المصدر الوحيد للمعلومات .

وتنتشر الشائعات بشكل خاص بين افراد القوات المسلحة ، لأن الضرورة تقضي بعدم اطلاعهم على تفاصيل العمليات العسكرية المقبلة . وعليه ، يتعين على الآخرين والقادة التحوط من الاشاعة ، لانها تقضي على خططهم المرسومة وتمهد الطريق الى تثبيط المعنويات وربما تقود الى الذعر والهزيمة .

قد يكون من المفضل عدم ترويج خبر غير مؤكد عن قضية مهمة . مع ذلك ، ان الجواب يكمن في الحقيقة بأن القضية تهم الشخص الذي يروج للاشاعة . يروجها في حالة واحدة فقط عندما تستجيب لمتطلبات الشخص السامع . فالاشاعة التي تعتمد الشك او الكراهية او تبعث الخوف او الأمل ، ستروج وتعزز بأنفعالات الشخص الراوي . لهذا فعندما تنتشر الشائعات بسرعة فيعني هذا ان الكراهية والخوف اصبحت شائعة بين الناس الذين يروجونها .

ويتبع ذلك ، ان الشائعات تروج حتى من قبل اولئك الافراد الذين لا يصدقونها ، طالما انها توفر فرصة التعبير عن عاطفة كان ينبغي كبتها . فإذا شعر احد افراد المجتمع او مجموعة اجتماعية معينة ، بكراهية ازاء احد افراد حكومته او مؤسسته من يأتمر بأوامره ، فهو بالتعبير المجازي يطعنه من الخلف ، وفي وقت الازمات والظروف المرتبكة ، لا يقدم على القول علانية بأن مرؤسه مستبد وطاغية .

على أي حال ، لنفترض ان هذا الشخص سمع اشاعة بان مرؤسه فاسد ادارياً وغير نزيه ولا يؤتمن على احوال المؤسسة ، واصبح هذا الأمر يؤثر على سمعته المهنية والسلوكية وربما ستكون السبب في اقالته من الخدمة ، من الجائز عدم توفر دليل يسند الاشاعة ، ولكن ما الذي سيحدث ؟

ان هذا الشخص المعني سينقل الاشاعة ، لانه لايشعر بأقتراف أي ذنب وانه غير مسؤول عن الرواية ، ان كل ما قام به هو مجرد ترديد ما يقوله محيطه المهني / الاجتماعي ، وعلى الرغم من ذلك ، فأن ترويجه للاشاعة قد يحصل على قدر من القناعة النفسية وربما التخفيف عن مشاعره ازاء قضية او عدة قضايا في مؤسسته .

ان ترويج اشاعة كون رئيس المؤسسة غير نزيه ، ربما تشير الى اكثر من كراهية محسوسة اتجاهه . وقد تعني بأن الشخص / الموظف يتهم مرؤسه بهذا السلوك الشائن لانه يود القيام بنفس الشيء الا انه لا يجرأ على ذلك ، بهذا ينقل الاشاعة الى الآخرين ضمن محيطه الوظيفي مع علمه بخيبة امله .

يطلق على هذا النوع من الاشاعات ، بالاشاعات العدائية او ادامة الاسفين . وعند نشرها يتخلص ناقلها من بعض شعور العداء الكامن في نفسيته بتشجيع الآخرين على القيام بنفس الشيء .

ليس من الضروري ان يفهم المرء هنا ، لماذا يحس ناقل اشاعة معادية بالارتياح بعد تداولها ، قد يكون السبب كافياً لأن يشعر بإرتياح أفضل بعد نشرها .

لازال هناك نوع آخر وسبب آخر لانتشار الشائعات . فعندما يشعر الانسان بالتوتر والضيق فإنه يتشبث بأي خبر يلائمه . كما انه ينهمك في تفكير وتعقيد بصحة الاشياء لمجرد الرغبة بأنها صحيحة .

يطلق على الشائعات المستندة على الرغبة بالوهمية . وتنتشر هذه الشائعات لانها تجعل الناس يحسون بالسعادة . وتظهر بعض الشائعات بشكل عفوي في وسائل الاعلام المسموعة والمرئية والمقروءة ، وتوصف بصراحة بانها شائعات . واذا لم تحصل مبالغة اثناء ترويجها ، يبقى الوصف على انها شائعات ، فليس هناك سوى ضرر طفيف ، اما الشائعات الاخرى فهي الخفية والمتداولة سراً التي تنتشر بشكل لا يصدقه العقل . ان هذه الشائعات خطرة لأن الراوي لا يشعـر بمسؤوليته وانه حر في التعبير عن نزواته ومخاوفه وخصوماته . انه ، يمكن القبول سلبياً بمعظم الشائعات طالما انها خفيفة وتأثرها بطىء في زعزعة الثقة . ومع ذلك ، هناك اشاعات تحفز على العمل ، وهذه اشاعات ذعر تأتي بشكل تقاريـر ولاسيما في حالة دخول البلد اجواء حرب وما يرافقها من ارباكات على الصعد كافة .

ان خطر هذه الاشاعات يكون حقيقي وصريح وآني ، لان السامع يميل لاتخاذ اجراء سريع وفعال بخصوصها . قد يجمع عائلته في سيارته الخاصة ويصطحب معه اعز ممتلكاته ، ثم يهرب بعيداً عن العـدو . بعد ذلك يصبح هذا الشخص نفسه اشاعة وتصبح الاشاعة حقيقة واقعة ، لان الناس حالما يشاهدونه هارباً يقرروا الرحيل معه .

ان الركب الذي يمتد على طول الطريق هو اقوى من كل الاشاعات ، ورمز مرئي لا يحتاج الى اثبات وينشد كل فرد اللحاق به بعد ان يعم الذعر .

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
دينار بحريني 3125
يورو 1315.79
الجنيه المصري 73.64
تومان ايراني 0.03
دينار اردني 1666.67
دينار كويتي 3846.15
ليرة لبنانية 0.79
ريال عماني 3125
ريال قطري 326.8
ريال سعودي 317.46
ليرة سورية 2.31
دولار امريكي 1190.48
ريال يمني 4.75
التعليقات
قحطان عبد سلمان : السلام عليكم اني خريج منذ 2003 بكلوريوس تعليم تكنلوجي/قسم الهندسه الميكانيكيه ورب اسره مكونه من 7 اشخاص ...
الموضوع :
دائرة شؤون المواطنين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تستقبل شكاوى المواطنين عبر موقعها الإلكتروني
احمد : عدلو رواتب الموظفين وخاصتا موظفين الصناعة والمعادن ...
الموضوع :
تعرّف على ما سيتقاضاه النواب والرئاسات وفقا لقانون إلغاء الامتيازات
علي الجبوري : احسنت استاذ وضعت يدك على الجرح النازف استمر رجاءا ...
الموضوع :
تهديم الدولة بجيوش الكترونية - الحلقة الاولى
علي عبدالله عبدالامير : أنا ابن الشهيد عبدالله عبدالامير شهيد المقابر الجماعيه وأنا اقدم ع وظيفه وماكو وماخليت مكان ماقدمت بي ...
الموضوع :
دائرة شؤون المواطنين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء تستقبل شكاوى المواطنين عبر موقعها الإلكتروني
almaliky1990 : عندي مجموعة من الاسئلة اريد طرحها على سماحة الشيخ الصغير اعزه الله تتعلق بالشأن المهدوي فهل هناك ...
الموضوع :
بالفيديو .... الاسرائليون يعتبرون الامام المفدى السيد علي السيستاني بالعدو الخفي او الشبح
محمد : أفضل حل اعلان حكومة طوارئ برئاسة السيد عادل عبد المهدي مده 6 سنوات تجمد الدستور وتكتب دستور ...
الموضوع :
رسالة الى السيد عادل عبد المهدي
فاطمة خالد جواد : يسقط محمد بن سلمان وأبوه الفاسق الفاجر اليهود ي عبيد نتنياهو الدجال ويسقط الطغاة وتحيا دماء الشهداء ...
الموضوع :
نصح بن سلمان فمات في سجون السعودية !
أبو علي القره غولي : أحسنتم وفقكم الله تعالى أرى أننا اليوم قد مررنا بمحطة واحدة من محطات الإبتلاء والغربلة والتمحيص، ولابد ...
الموضوع :
(هل تكون قناة الشرقية اليهودية ملهمة الحراك في العراق)
رعد الموسوي : اخواني رجاءا توضيح ،،من هم الحواسم ؟ وهل هؤلاء خطرين ؟ انا اعيش في الخارج واحد الاخوان ...
الموضوع :
‏عبد الكريم خلف يعاتب أبناء الوسط والجنوب لمشاركتهم في حملة ضده ويؤكد: لن نسمح للحواسم بالعودة!
علي الجبوري : اروحنا فداء للسيد السيستاني هبة الله لاهل العراق في زمن عز فيه الناصر والمعين وكثر فيه العدو ...
الموضوع :
المرجعية ومعركة سرقة الفوضى !
فيسبوك