المقالات

ركب الإباء في قصر الطلقاء

1407 2021-09-09

 

د. عطور الموسوي ||

 

انه الاول من صفر للعام الهجري 61، والشام قد تزينت بأبهى ما يكون وكأن ثمة عيد لهم غير أعياد المسلمين، وجماهير غفيرة قد تجمعت عند مدخلها تترقب وصول ركب (الخوارج) عندما بثت الماكنة الاعلامية لطاغيتهم أن شاركوا فرحة نصره على أقوى معارض له، ووصل الركب باب الساعات لمدينة دمشق تتقدمه رؤوس الشهداء شيبة وشبابا مخضبين بدم الشهادة، فهرع المجتمعون بالزغاريد وقرع الطبول ورقصوا كالقرود شامتين بابن بنت نبيهم وعياله دون أن يشعروا!

أمر الشمر بايقاف الركب عن المسير عند الباب إمعانا بالاذى ولتطول مدة مظاهر الفرح والشماتة بآل بيت رسول الله، ولإطالة ساعات العرض الهمجي لسبي المسلمات على يد من يدعي الاسلام، وان كانت هذه ليست المحطة الاولى لهذا البرنامج الجائر، هم اعتمدوا أبعد الطرق من كربلاء الى الشام ليمروا بأكثر عدد من المدن محطات يقيموا تجمعات واستعراضات مماثلة .

عشرون يوما بلياليها تلك هي مسيرة ركب بنات رسول الله في أسوأ ظرف يعيشه مسافر من حيث وسيلة السفر وظروف القسر ورفقتهم لرؤوس الشهداء، يحدوهم الشمر وزمرته زجرا وضربا وسبا ولعنا ، وزينب قد غدت قائدة النهضة الحسينية منذ لحظة استشهاد أخيها الحسين ونهاية المعركة بين المعسكرين ولتبدأ معركتها الاعلامية وحيث ما سار الركب وطدّت أسس الدين المحمدي الاصيل ومحت ما ران على القلوب  من آثار الجاهلية وعدّلت ما انحرف من نهج جدها الامين، تتولى كل المهام المطلوبة لأرامل وايتام وثاكلات بفقد فلذات الأكباد، وأمرّ شيء تركهن أجساد الأحبة في الفلوات تذرو عليها رياح السموم مغسلة بدمها وكفنها التراب، زينب أبت الا ان تكون شامخة طيلة رحلة العذاب هذه ولم تدع مجالا لشماتة الاعداء وانما أرعبتهم وكأن الحسين ما يزال ماثلا يردد: "والله لا اعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد" نعم هابوها كما كانوا يهابون اباها قاهر الشرك في بدر واحد وحنين حينما كان يتجنبون مواجهته في سوح القتال.

وتجلى شموخ زينب عندما شخصت في القصر الاموي وقد أقيم احتفال كبير حضره كبار القوم من عرب وغيرهم، ويزيد منتشٍ بنصره المزعوم وقد وضع راس سيد الشهداء بين يديه، فصدحت بلسان جدها وبلاغة أبيها بصوت جهور ثابتة الجنان وخاطبت يزيد خطابا ما كان احد غيرها ليجرؤ عليه قبلها ولا بعدها، ولكنها لبوة علي واخت الحسين والعباس وابنة فاطمة وحفيدة من أنقذ الناس من الظلمات الى النور قالت عليها السلام :

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى جَدِّي سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، صَدَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ يَقُولُ:"

ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى‏  أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ"

أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ حِينَ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الْأَرْضِ، وَضَيَّقْتَ عَلَيْنَا آفَاقَ السَّمَاءِ، فَأَصْبَحْنَا لَكَ فِي إِسَارٍ، نُسَاقُ إِلَيْكَ سَوْقاً فِي قِطَارٍ، وَأَنْتَ عَلَيْنَا ذُو اقْتِدَارٍ، أَنَّ بِنَا مِنَ اللَّهِ هَوَاناً وَعَلَيْكَ مِنْهُ كَرَامَةً وَامْتِنَاناً؟؟ وَأَنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِ خَطَرِكَ وَجَلَالَةِ قَدْرِكَ؟؟ فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ وَنَظَرْتَ فِي عِطْفٍ، تَضْرِبُ أَصْدَرَيْكَ فَرِحاً وَتَنْفُضُ مِدْرَوَيْكَ مَرِحاً حِينَ رَأَيْتَ الدُّنْيَا لَكَ مُسْتَوْسِقَةً وَالْأُمُورَ لَدَيْكَ مُتَّسِقَةً وَحِينَ صَفِيَ لَكَ مُلْكُنَا وَخَلَصَ لَكَ سُلْطَانُنَا.

فَمَهْلًا مَهْلًا لَا تَطِشْ جَهْلًا! أَ نَسِيتَ قَوْلَ اللَّهِ:

"وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ"

أَمِنَ الْعَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ سَبَايَا قَدْ هَتَكْتَ سُتُورَهُنَّ وَأَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ يَحْدُو بِهِنَّ الْأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَيَسْتَشْرفُهُنَّ أَهْلُ الْمَنَاقِلِ وَيَبْرُزْنَ لِأَهْلِ الْمَنَاهِلِ وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ وَالْغَائِبُ وَالشَّهِيدُ وَالشَّرِيفُ وَالْوَضِيعُ وَالدَّنِيُّ وَالرَّفِيعُ، لَيْسَ مَعَهُنَّ مِنْ رِجَالِهِنَّ وَلِيٌّ وَلَا مِنْ حُمَاتِهِنَّ حَمِيمٌ، عُتُوّاً مِنْكَ عَلَى اللَّهِ وَجُحُوداً لِرَسُولِ اللَّهِ وَدَفْعاً لِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَا غَرْوَ مِنْكَ وَلَا عَجَبَ مِنْ فِعْلِكَ.

وَ أَنَّى يُرْتَجَى مُرَاقَبَةُ مَنْ لَفَظَ فُوهُ أَكْبَادَ الشُّهَدَاءِ وَنَبَتَ لَحْمُهُ بِدِمَاءِ السُّعَدَاءِ وَنَصَبَ الْحَرْبَ لِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَجَمَعَ الْأَحْزَابَ وَشَهَرَ الْحِرَابَ وَهَزَّ السُّيُوفَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ أَشَدُّ الْعَرَبِ لِلَّهِ جُحُوداً وَأَنْكَرُهُمْ لَهُ رَسُولًا وَأَظْهَرُهُمْ لَهُ عُدْوَاناً وَأَعْتَاهُمْ عَلَى الرَّبِّ كُفْراً وَطُغْيَاناً.

نعم لم يشهد تاريخ البشرية إباءا وثباتا وقوة وعزيمة كالذي بدت عليه مولاتنا زينب العقيلة في ذلك اليوم، إمرأة فقدت هذا الكم الكبير من الشجعان بتلك الطريقة الوحشية وتولت إدارة هذا الملف العسير في تلك الظروف، وها هي قد انتصرت على طاغية زمانها نصرا مؤزرا مبينا، وأدارت دفة الأحداث من نصر مزعوم الى هزيمة نكراء وهي المرأة العزلاء المجردة الا من قلب نابض بالايمان ويقين راسخ بأحقية قضيتها وأن كل ما جرى في عين الله ونصرا لدينه، وبذلك تحقق النصر وليومنا هذا صارت كربلاء قبلة الاحرار ومنهاجا يتجدد أينما تواجدت معادلة الظالم والمظلوم ومنارا اهتدى به كل الاحرار رافضين الظلم بكل أشكاله .

من هنا صار اليوم الاول من شهر صفر يوم انتصار كلمة الحق على جبروت الباطل المدجج بكل أوجه الطغيان .

سلام على الحسين وعلى عيال الحسين ومن استشهد معه .. وسلام على بطلة كربلاء يوم ولدت ويوم توفاها الله تشكوه جرأة القوم على حدود الله فيهم ويوم تبعث حية شفيعة لكل رافض للظلم من ذلك اليوم وحتى يوم يبعثون.

وتستمر حكايات زينب حتى وصولها مدينة جدها ..

الخميس 9أيلول 2021

1 صفر 1443

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
زياد مصطفى خالد : احسنت تحليل واقعي ...
الموضوع :
مسرحية ترامب مع زيلنسكي والهدف الامريكي !!
ابو حسنين : انظرو للصوره بتمعن للبطل الدكتور المجاهد والصادق جالس امام سيد الحكمه والمعرفه السيد علي السستاني بكل تواضع ...
الموضوع :
المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني يستقبل الطبيب محمد طاهر أبو رغيف
قتيبة عبد الرسول عبد الدايم الطائي : السلام عليكم اود ان اشكركم اولا على هذا المقال واستذكاركم لشخصيات فذة دفعت حياتها ثمنا لمبادئها التي ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
م خالد الطائي : السلام عليكم, شكرا لصاحب المقال, عمي مالك عبد الدايم الطائي: خريج 1970م، تخرج من كلية العلوم بغداد ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
ام زهراء : مأجورين باىك الله فيكم ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
علاء عبد الرزاق الانصاري : الاهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك