المقالات

 (بطل العروبة) في حفرة الجرذان

1462 2021-12-14

د.عطور الموسوي ||

 

سقطت الأصنام وتهاوت تباعا، وتناثرت صوره كرماد في يوم عاصف، وصار مشهد المواطن ابو تحسين وهو يضرب صورته بنعل ويعبر عن غضب العراقيين بلهجته العفوية "سبوتا" اعلانيا يتصدر مقدمات نشرات الأخبار سقوط الطاغية صدام حلما راود العراقيين لثلاثة عقود ونيف منها عقدان مريران مخضبان بدماء الابرياء في ساحات الحروب المتتالية وفي دهاليز التعذيب الوحشي وعند مشانق الاعدام، صدام مولع بالدماء هكذا عرفناه، وأوهم البعض بشجاعته وهو يردد: " يا محلى النصر بعون الله "، وعبارات استعرض بها حملته الايمانية المزيفة : " الله اكبر وليخسأ الخاسئون"

لقلقات لسان صار يسأمها حتى الصغار وأثبت كذب ادعاءاته تلك يوم ترك جيشه نهبا لأعتى جيوش العالم عندما فر مذعورا الى جحر حقير تأباه حتى البهائم، وقبل أن يطوي عام 2003 آخر أيامه تم القاء القبض عليه ليتفاجأ الجميع بهيئته القذرة شعر أشعث ووجه يفتقد لأي من معاني العزة المصطنعة التي استعلى بها على الجميع، اعتقلوه دون أي مقاومة تذكر مع انه في حوزته مسدسا!!

ذهل العراقيون وهم يرونه مكتوف اليدين على يد من خدمهم طويلا ونفذ مخططاتهم دون نقاش وان كانت سببا لموت مئات الالاف من شبابنا وكفاءاتنا دون ان يهتز له نبض من ضمير، بثت شاشات التلفاز لقطات مهينة ومقززة لسيادة ( القائد الضرورة) وهم يتفحصون شعره الذي عشعش فيه القمل، وملابسه القذرة التي تفوح منها عفونة جحره الأظلم تبادر لذهني قول الله سبحانه عن فرعون : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ {يونس:92}

كان جهاز الاستقبال (الستلايت) قد حل ضيفا جديدا في بيوت العراقيين وفيه ميزة ايقاف الفيديو، اوقفناه اكثر من مرة ونحن نتمعن هيئته الحقيقية وفي ذلك عبرٌ كثيرة لمن يريد الاعتبار، تلاشت من الذاكرة صورة قامته الممشوقة وزيه العسكري وحاجباه المرتبان وضحكته المصطنعة ونظرته الحاقدة على كل ذي قيم من خلق الله، نعم تلاشى صوته وهو يدير اجتماعاته مع وزراء لا يملكون من وزاراتهم الا الاسم، وغالبا ما كان ينقل التقرير تصويرا فيديوا دون صوت، وهذا أسلم للكادر الاعلامي كي لا يقع في مطب ترهات الريس التي لم تغييرها عقود توليه السلطة فالإناء ما انفك ينضح ما فيه

يوم 13/12/2003 كان يوما مفرحا للشعب العراقي  وقاطعا للشك ممن يتوقع منهم عودته للسلطة وتكرار مأساة ما بعد الانتفاضة الشعبانية عام 1991 حينما وقع صدام لأمريكا بكل ذلة، فقط ليعاد الى كرسي السلطة ويستمر في قمع العراقيين، وهو الخيار الأنسب للشيطان الأكبر مع صدام المجرب خضوعا وطاعة عمياء

باعتقال جرذ العوجة بدأت مرحلة جديدة من الحكومة الانتقالية في العراق تمثلت بعقد جلسات محاكمة رموز النظام من قبل المحكمة العراقية الجنائية العليا، ويا لها من محاكمة جسدت الديمقراطية أكثر من كل دول العالم، بطريقة خرجت عن أهدافها في ترسيخ العدالة الانتقالية وصارت مصدرا لآلام ذوي الشهداء والمضحين بين عدم حسم جلساتها التي تعدت اكثر من سنتين، وبين المساحة المتاحة لمجرمين قد أبادوا الشعب العراقي مع سبق الاصرار، وبين تحديدهم بعدد 55 فقط وحتى هذا العدد لم يمثل امام المحكمة كله بحجة عدم العثور عليهم وهكذا شاءت الاقدار ان تطغى مظاهر الديمقراطية خارج حدود المألوف في محاكمة جناة قمعوا الانسان وانتهكوا حقوقه طيلة حقبة عهدهم المظلم، وكأن لسان حالنا يقول :

مَلكْنا فكان العَفْو منَّا سَجيَّةً                    فلمَّا ملكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أبْطَحُ

وحَلَّلْتُمُ قتلَ الأسارى وطالَما                غَدوْنا عن الأسْرى نَعفُّ ونصفَح

فحسْبُكُمُ هذا التَّفاوتُ بيْنَنا                    وكلُّ إِناءٍ بالذي فيهِ يَنْضَحُ

13/12/2021

8جمادي الثانية 1443

ـــــــــــ

اشترك في قناة وكالة انباء براثا على التلجرام
https://telegram.me/buratha
المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
اضف تعليقك
الاسم والنص والتحقق من الروبوت ضروري
الاسعار الرسمية للعملات مقابل الدينار
التعليقات
----خلف ناصر عبد الله : اتمنى لكم التوفيق والسداد بحوث روعه غيتها اعلاء اعلام دين الله سبحانه:؟ ...
الموضوع :
تفسير "هذا صراطُ عليٍّ مستقيم" (الحجر: 41)
منير حجازي : العلاقات التي تربط البرزانيين بالكيان الصهيونية علاقات قديمة يطمح الاكراد من خلالها أن يساعدهم اليهود على إنشاء ...
الموضوع :
النائب مصطفى سند يُحرك شكوى ضد ممثل حكومة كردستان في المانيا دلشاد بارزاني بعد مشاركته احتفال في سفارة الكيان الصهيوني
منير حجازي : الاخت الفاضلة حياكم الله نقلتي قول (أنطوان بارا) في كتابه الحسين في الفكر المسيحي وهو يعقد مقارنة ...
الموضوع :
الحسين في قلب المسيح
ولي : بعد سنوات اليوم يقبل ابناء عنيفص منفذ المقابر الجماعية بحق الانتفاضة الشعبانية ١٩٩١ في الكلية العسكرية بينما ...
الموضوع :
محكمة جنايات بابل تحكم باعدام الارهابي رائد عنيفص العلواني قاتل 26 مواطنا ودفنهم في حديقة داره ببابل
زياد مصطفى خالد : احسنت تحليل واقعي ...
الموضوع :
مسرحية ترامب مع زيلنسكي والهدف الامريكي !!
ابو حسنين : انظرو للصوره بتمعن للبطل الدكتور المجاهد والصادق جالس امام سيد الحكمه والمعرفه السيد علي السستاني بكل تواضع ...
الموضوع :
المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني يستقبل الطبيب محمد طاهر أبو رغيف
قتيبة عبد الرسول عبد الدايم الطائي : السلام عليكم اود ان اشكركم اولا على هذا المقال واستذكاركم لشخصيات فذة دفعت حياتها ثمنا لمبادئها التي ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
م خالد الطائي : السلام عليكم, شكرا لصاحب المقال, عمي مالك عبد الدايم الطائي: خريج 1970م، تخرج من كلية العلوم بغداد ...
الموضوع :
كلمة وفاء لإعدادية الكاظمية!!
ام زهراء : مأجورين باىك الله فيكم ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
علاء عبد الرزاق الانصاري : الاهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين ...
الموضوع :
صلاة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لقضاء الحوائج
فيسبوك