نور جفات الجبوري ||
في كل مرة تهتز فيها الجغرافيا العراقية على وقع تهديد او تصعيد، تعود الحقيقة لتفرض نفسها بلا جدال: حين يشتد الخطر، يظهر من كُتب عليهم حمل الأمانة.
وخلال الساعات الماضية، ومع تعرض الحدود العراقية السورية لهزات امنية متلاحقة، سقطت الأقنعة سريعا، وتكشفت الحقائق بلا رتوش. فالأحداث الأخيرة لم تُظهر فقط من يحمي العراق، بل وكشفت بوضوح من أخطأ التقدير، وراهن على الوهم، ومن اساء للحقيقة لسنوات طويلة.
على مدى أعوام تعرض الحشد الشعبي الى حملات تشكيك ممنهجة، رُفعت خلالها دعوات صريحه لحله، وتجريده من دوره، وتشويه تضحياته تحت عناوين سياسية مرة وإعلامية مرة أخرى. قيل عنه ما ليس فيه، وشُكك بولائه وصُوّر وكأنه عبء على الدولة، لا إحدى ركائزه الأساسية. غير ان الامتحان النهائي لا يكون في زمن الهدوء (النفاهة)، بل حين تُستدعى المسؤوليات الثقيلة وتُختبر المواقف.
ومع اول تصعيد على الحدود، ومع اول تهديد حقيقي للأمن الوطني، برزت المواقف الصارخة: الأصوات ذاتها التي طالبت بحل الحشد، عادت اليوم لتُطالبه بأن يكون الحارس والسد المنيع. لم يكن هذا التحول وليد مراجعة شُجاعة، بل فرضته الوقائع؛ فحين تلاشت الشعارات، بقي الميدان، ووجد العراق الحشد حاضرا، متقدما، ثابتا، جنبا الى جنب مع ابطال الجيش، والشرطة الاتحادية، وجهاز مكافحة الإرهاب وكل صنوف القوات المسلحة التي اثبتت انها الدرع المنيع للوطن.
الحشد الشعبي لم يصنع بطولاته في فضاء الاعلام، بل راكمها بالدماء والتضحيات. من مواجهة أخطر موجات الإرهاب والانتصار عليه، الى حماية المدن، وصولا الى الوقوف اليوم على تخوم الحدود، اثبت انه قوة وطنية منضبطة، تمتلك من الجاهزية والخبرة والإرادة. والاهم من ذلك انه لم يحمل السلاح بدافع القوة وحدها، بل بدافع المسؤولية الأخلاقية والإنسانية؛ فكان سندا للمدنيين، وملاذا للنازحين، ودرعا حين تراجعت الحسابات الأخرى.
الذين شككوا بالحشد لسنوات، يواجهون اليوم حقيقة لا تقبل الانكار: ان الحشد الشعبي لم يكن طارئا ولا حالة عابرة، بل حاجة وطنية فرضتها التحديات ورسّختها التضحيات. وفي وقت تتبدل فيه المواقف وفق المصالح، بقي الحشد ثابتا على موقف واحد لا يتغير: الدفاع عن العراق دون انتظار شكر او جزاء.
وهكذا مرة أخرى، يكتب الواقع كلمته الأخيرة: حين يشتد الخطر لا يبقى في الميدان الا من آمن بالوطن فعلا …. لا قولا.
https://telegram.me/buratha

